تقرير اقتصادي: غياب أرقام «التضخم» يقوض شفافية البيانات الاقتصادية

لم تصدر بيانات الإدارة المركزية للإحصاء الخاصة بالأرقام القياسية لأسعار المستهلك «التضخم» عن شهر يوليو 2026 التي كان من المقرر إصدارها بعد شهرين من انتهاء فترة القياس أي في شهر سبتمبر الماضي.
وهذه المرة الأولى التي يتوقف أو يتأخر فيها إصدار بيانات التضخم منذ توقفها لـ 7 أشهر متواصلة خلال جائحة «كورونا» بين عامي 2020 و2021، وهو ما يأتي، على ما يبدو، اتساقاً مع تعميم مجلس الوزراء الخاص بـ «عدم نشر أو إعلان أي بيانات أو إحصاءات أو مؤشرات عبر جميع وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية والحسابات الرسمية للوزارات، إلا بعد العرض وأخذ موافقة مجلس الوزراء»، وهو توجه قد يكون تنظيمياً من حيث النوايا، ولكن قد ينطوي عملياً على تأخر أو غياب معلومات ضرورية يحتاجها المواطن والمحلل إلى صاحب القرار التنفيذي، فضلاً عن المؤسسات الاقتصادية الخارجية.
نحتاج إلى المزيد من البيانات الشفافة بالتوازي مع تنامي موجة الاقتراض السيادي الداخلي والخارجي
خفض شفافية
وعلى ما يبدو فإن ثمّة توجهاً لخفض درجة شفافية البيانات الاقتصادية التي كانت لسنوات طويلة مرتبطة بما يُعرف بـ «المعلومات السيادية» كتلك المتعلقة بقيمة الصندوق السيادي (احتياطي الأجيال) أو حجم احتياطيات النفط في باطن الأرض أو الوزن الدقيق لمكونات «السلة» التي يرتبط بها الدينار الكويتي.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تقليصاً ملموساً في نشر معلومات وبيانات مالية واقتصادية وأيضاً رقابية عادية ومتداولة على نطاق متواتر منذ أعوام عديدة، مثل تقارير ديوان المحاسبة التي صدر قرار مجلس الوزراء بحظر نشرها، وكذلك توقّف الأمانة العامة للتخطيط والتنمية عن إصدار تقاريرها الفصلية لنحو 5 فترات ربع سنوية، إلى جانب عدم إصدار وزارة المالية لتقارير المتابعة الشهرية لأكثر من سنة، وأيضاً بنك الكويت المركزي الذي كان آخر تقرير سنوي له عن «الاستقرار المالي» عن عام 2024.
اتخاذ القرارات الاقتصادية يستوجب وضوحاً في البيانات كي تتحقق الأهداف دون نتائج معاكسة
جهات فنية ومستقلة
هذا التوجه في توقف إصدار البيانات المالية أو تأخيرها قد يكون، كما أوردنا، يمثل نوايا في تنظيم إصدار البيانات، لكن يترتب عليه واقعياً غياب غير مبرر في توافر المعلومات والأرقام الضرورية لتحليل أي اقتصاد، فضلا عن فرض إجراء بيروقراطي على أرقام وإحصاءات أعدتها جهات فنية مستقلة كالإحصاء والمالية والتخطيط والبنك المركزي وغيرها يفترض من مجلس الوزراء أن يتعامل معها بحيادية ومن دون تدخّل، بل يتعامل مع نتائجها كمؤشر لعمله في مجالات الاقتصاد والإدارة.
لسنا استثناء
خطورة غياب البيانات الاقتصادية تتّسع إذا طالت أيضاً الإحصاءات الدقيقة التي تعكس مستويات الغلاء كمؤشرات التضخم أو حجم الاقتصاد مثل الناتج المحلي الإجمالي الربعي أو السنوي أو تقديرات البطالة وسوق العمل أو أرقام جذب الاستثمار الأجنبي أو إحصاءات السكان أو بيانات الدخل الأسري أو القوة الشرائية، فضلاً عن إحصاءات التجارة الخارجية وتجارة الجملة والتجزئة، وكذلك الإنتاج الزراعي والحيواني والثروة السمكية، وهذه البيانات ضرورية، لدرجة أنها تصدر عن جميع دول العالم، ويفترض ألا تكون الكويت استثناءً في هذا المجال.
«منع النشر» قد يكون تنظيمياً من حيث النوايا ولكن قد ينطوي عملياً على تأخر أو غياب معلومات ضرورية
ميزة وحصافة
ومع تأكيد أهمية تطوير ورفع كفاءة البيانات التي تصدرها الإدارة المركزية للإحصاء، مثل مؤشرات التضخم في وقت تتنامى مطالبات رفع مستويات المعيشة في البلاد وليس حجبها أو تقنين نشرها، فإنه من المهم تأكيد أن اتخاذ القرارات الاقتصادية يستوجب وضوحاً في البيانات والإحصاءات كي تتحقق الأهداف المرجوة دون نتائج معاكسة، فالشفافية لدى الجهات الحكومية هي ميزة لأي إدارة عامة حصيفة ولا تمثّل عبئاً أو ضغطاً إذا وجدت الإرادة الفعلية للإصلاح.
ضريبة وإحراج
لا شك في أن غياب البيانات الاقتصادية والمالية والإحصائية له ضريبة أكبر من تراجع مستوى الشفافية داخلياً، وما يترتب عليها من تقويض لقدرات المختصين ومراكز الأبحاث والدراسات والأكاديميين على التحليل والتقييم إنما تمتد أيضاً إلى الارتباط بتقييمات مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وكذلك مؤسسات التصنيف الائتماني، بالتوازي مع تنامي موجة الاقتراض السيادي الداخلي والخارجي، خصوصاً عند مقارنة اقتصاد الكويت مع اقتصادات دول مجلس التعاون أو منطقة الشرق الأوسط، كما أنها قد تمثّل إحراجاً للكويت عند تأثير غياب البيانات الاقتصادية والمالية على ترتيب البلاد في مؤشرات التنافسية أو مدركات الفساد.