تقرير اقتصادي: الاقتراض من «صندوق الأجيال»… تنويع للخيارات أم استنزاف للأصول؟

أحدث المرسوم بقانون بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم 106 لسنة 1976 في شأن احتياطي الأجيال القادمة، تغييراً جوهرياً في آلية التعامل الحكومي مع صندوق الثروة السيادية.
فالتعديلات الجديدة نصّت على مسألتين؛ الأولى تبدو مؤجلة، والثانية حاضرة، وكلاهما لا غبار عليها من حيث المبدأ، والخلاف الوارد هو حول التفاصيل، مع أهمية تأكيد أن سلامة تنفيذ الضوابط والشروط الواردة في القانون الجديد أساسية لتحقيق المبتغى من تطوير عمليات صندوق الثروة السيادية.
الاستقطاع لمصلحة الصندوق السيادي مرهون بتحقيق فوائض مستقبلية
فأول التعديلات نصّ على نسبة غير محددة (مرنة) تُقتطع سنوياً لمصلحة حساب احتياطي الأجيال القادمة من الفائض الفعلي لنتائج الحساب الختامي للدولة عند زيادة الإيرادات السنوية على المصروفات، بدلا من النص السابق الذي حددها بسقف 10 بالمئة.
مرونة وكفاءة
ولعله من المفيد هنا القول إن جودة المرونة في تقدير الوزير المختص لتحديد نسبة الاستقطاع لمصلحة صندوق احتياطي الأجيال القادمة حال تحقُّق الفائض المالي في الحساب الختامي، بدلا من إلزامه بنسبة 10 بالمئة هي مسألة مرتبطة بمدى كفاءة الإدارة العامة وقدرتها على قراءة المشهد المالي والاقتصادي في البلاد خلال فترة معيّنة، مع تأكيد أن مالية الكويت لم تحقق منذ السنة المالية 2018 – 2019، التي اعتمدت في القانون الجديد كأساس مرجعي للاستقطاع، أي فوائض مالية في الحسابات الختامية، عدا السنة المالية 2022 – 2023 التي سجلت فائضاً فعلياً بواقع 6.36 مليارات دينار، مدعومة بتداعيات اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية على أسعار الطاقة عالمياً.
الاقتراض يجب ألّا يغري بزيادة انحرافات الإنفاق على مصروفات لا عوائد لها كالرواتب والدعوم أو حتى المناقصات غير المجدية
وعملياً، مع تأزُّم الأوضاع الجيوسياسية في الإقليم للشهر السابع، منها 5 أشهر من السنة المالية الحالية، فإنه على الأرجح ألّا تسجّل الحسابات الختامية في الكويت على المدى المنظور فائضاً مالياً يمكن تقييم عملية الاستقطاع من خلاله بشكل عملي.
أدوات أوسع
وثاني التعديلات، وهو الأكثر أهمية، يرتبط بجواز الاقتراض من احتياطي الأجيال القادمة لدعم الاحتياطي العام للدولة، مبينا ضرورة تحديد مبلغ القرض وغرضه والعائد عليه ومدّته الزمنية، والجدول الزمني لسداد القرض أو أقساطه والعوائد عليه، وشروط وضوابط إعادة ترتيب سداد القرض أو جدولته، وأي بيانات وأحكام أخرى لازمة لتنظيم القرض وتنفيذه.
لا بُد من تأكيد فكرة لا تحتمل الغموض وهي أن الأصل هو تنمية موجودات الصندوق السيادي
ومع تأكيد عدم حصافة الاقتراض؛ سواء كان محلياً أو أجنبياً أو من الأصول السيادية إلا بخطة اقتصادية واضحة ومعلنة ومتضمنة الأهداف والمؤشرات، فإن إتاحة الاقتراض من احتياطي الأجيال القادمة لدعم الاحتياطي العام للدولة، هو خيار تمويلي قد يكون أفضل من الاقتراض من البنوك المحلية أو الأجنبية، خصوصا بعد أن وصل الدَّين العام الداخلي والخارجي إلى نحو 12 مليار دينار، عقب إصدار قانون التمويل والسيولة (الدين العام)، فالاقتراض من المؤسسات المستقلة يعطي المالية العامة مرونة وخيارات أوسع في إصدارات السندات والصكوك الحكومية شرط توافر الخطة الواضحة والهدف المحدد وأدوات القياس الصارمة.
غموض ومبررات
وهنا لا بُد من تأكيد فكرة لا تحتمل الغموض، وهي أن الغرض والأصل هو تنمية موجودات الصندوق السيادي، إذ إن الاقتراض منه يعني سداد الدين مشمولاً بالعائد على القرض، ولذلك من المهم أن يتولى الوزير المختص (وزير الاستثمار) شرح مبررات الاقتراض، فضلاً عن أوجه ما تم صرفه فعلاً وما سيُصرف لاحقاً، مع توضيح الجزئية الواردة في التعديلات الجديدة (ولا يجوز بأي حال من الأحوال شطب أو تخفيض القرض إلا بقانون)، كي لا يكون باباً موارباً لشطب التزامات الدولة من القروض أو الفوائد، وهو ما يُخشى أن يكون اقتطاعاً من «اللحم الحي»، الذي يفترض تنميته أو «تسمينه» لا اقتطاعه أو استهلاكه.
التحدي الإيجابي أن يؤدي إعلان الصندوق السيادي عن قيمته وعوائده إلى حوكمة الأداء وكفاءة مديريه
عوائد وأصول
غير أن تقييم مسألة الاقتراض من احتياطي الأجيال القادمة يجب أن يرتبط بضوابط تُبنى عليها سياسات، بمعنى أن ما ورد في القانون الجديد من عدم جواز أن يتجاوز إجمالي القروض خلال السنة المالية الواحدة نسبة 100 بالمئة من متوسط العوائد المحققة للاحتياطي عن آخر 5 سنوات مالية مدققة يتطلب إفصاحاً رسمياً من الهيئة العامة للاستثمار عن عوائدها السنوية.
وكذلك الأمر بشأن عدم جواز أن يتجاوز إجمالي رصيد القروض المتراكمة القائمة نسبة 10 بالمئة من صافي قيمة أصول الاحتياطي، وفقاً لحساباته المالية المدققة عن آخر سنة مالية، وهذا يستوجب إعلاناً أيضاً بشأن قيمة الصندوق السيادي وأصوله، أي أن الهيئة العامة للاستثمار، وفق هذا القانون الجديد، أمام مسؤوليات غير مسبوقة تتعلق بالشفافية والإفصاح.
الدَّين العام يمكن أن يكون محركاً لريادة اقتصادية وتنموية أو مدخلاً لـ «شرباكة» ديون لا تنتهي
حوكمة وكفاءة
وكل شفافية وإفصاح أمران مفيدان لتقييم رسمي أو مستقل لجودة أداء صندوق احتياطي الأجيال، الذي أشارت البيانات الصادرة عن المعهد الدولي للصناديق السيادية إلى أنه حقق عام 2025 نمواً بلغ 4.1 بالمئة، وهو معدل أقل من عوائد العديد من الصناديق السيادية المماثلة أو الأسواق والقطاعات التي تستقطب استثمارات الصناديق السيادية، وهنا يبرز التحدي الإيجابي في مسألة أن يؤدي إعلان الصندوق السيادي عن قيمته وعوائده الى حوكمة الأداء وكفاءة مديريه، وليس بالطبع التشكيك في نزاهتهم أو سمعتهم.
تنويع ومنافع
ومع تأكيد مسألة أن تنويع مصادر التمويل الحكومي لأدوات الدين العام هي فكرة تحوّطية جيدة، ويمكن أن تمتد الى مؤسسات أخرى مليئة مالياً وذات أغراض استثمارية؛ كالتأمينات الاجتماعية أو مؤسسة البترول أو الصندوق الكويتي للتنمية، إلّا أن الأكثر أهمية على الإطلاق، والذي يعد هو المحدد الأبرز في تقييم مسألة جودة الاقتراض السيادي من عدمه، هو قدرة الإدارة الاقتصادية في البلاد على تحويل الأموال؛ سواء المتأتية من إيرادات النفط أو الإيرادات غير النفطية وأموال الاستدانة إلى منافع اقتصادية وخدمات مستدامة، من خلال معالجة الاختلالات الهيكلية، لا سيما انحرافات سوق العمل، فضلاً عن محدودية وأحادية الناتج المحلي الإجمالي.
وعليه، فإن جُل الجهد المفترض من الإدارة العامة – وهو ما لم نعتده – يجب أن ينصبّ على ألّا يغري حجم الاقتراض بزيادة الانحرافات الاقتصادية، بدلا من معالجتها، كالإنفاق على المصروفات الجارية التي لا عوائد لها؛ مثل الرواتب والدعوم، أو حتى المناقصات التي لا تعكس واقعاً اقتصادياً أو مالياً أو خدمياً جديداً.
ريادة و«شرباكة»
ومن المفترض على سبيل رفع جودة التعامل مع ملف الدَّين العام وزيادة التحوط والسلامة في مصروفاته أن تصدر الإدارة الاقتصادية مؤشرات أو بيانات منتظمة لتوضيح مدى اتساق مصروفات الدين العام مع تطورات الاقتصاد والناتج المحلي، فالدَّين العام يمكن أن يكون محرّكا لريادة اقتصادية وتنموية، أو يكون مدخلاً لـ «شرباكة» ديون لا تنتهي، والعبرة دائما بجودة الإدارة.