سياسات استرداد الضرائب المُحسَّنة تُسهِّل تجربة التسوق في الصين للزوار من مختلف أنحاء العالم

أطلقت الصين جولة جديدة من التحسينات على سياسة استرداد ضريبة المغادرة، لتوفير تجربة تسوق أكثر سلاسة وراحة للزوار الأجانب.
ودخلت حيز التنفيذ رسمياً، اعتباراً من أول يوليو، إجراءات رئيسية ضمن مبادرة «استرداد ضريبة المغادرة 2.0»، شملت إطلاق نظام استرداد إلكتروني متكامل كلياً، واعتماد عمليات تفتيش عشوائية لطلبات استرداد الضرائب منخفضة القيمة، بما يسهم في تبسيط إجراءات استرداد الضرائب والارتقاء بتجربة التسوق للزوار الأجانب.
أنهى المسافر الروماني ديفيد، في أول يوليو، جميع إجراءات استرداد ضريبة المغادرة في مكتب الاسترداد بمبنى الركاب رقم 3 في مطار بكين الدولي خلال دقائق معدودة، بمجرد إبراز رمز الاستجابة السريعة (QR) الخاص بطلب الاسترداد.
وقال: «في السابق، كان عليّ الاحتفاظ بالفواتير الورقية ونماذج استرداد الضرائب طوال فترة رحلتي، فقد كان إصدارها يستغرق وقتاً، وكنت أشعر دائماً بالقلق من فقدانها».
اشترى ديفيد ساعة يد خلال زيارته الأخيرة لبكين، ثم مسح في المتجر المؤهل لاسترداد ضريبة المغادرة رمز الاستجابة السريعة (QR) لاستخراج نموذج الاسترداد الإلكتروني. وعند مغادرته، لم يحتج سوى إلى إبراز الرمز نفسه لإتمام التحقق الجمركي في المطار، إذ تكفّل رمز واحد بإنجاز جميع إجراءات الاسترداد، ما جعل العملية أكثر سهولة وسلاسة وخالية من التعقيدات.
في السابق، كان المسافرون القادمون من الخارج غالباً ما يشعرون بالقلق بشأن فقدان نماذج استرداد الضرائب، أو ضياع الإيصالات، أو نسيان الحصول على ختم الجمارك المطلوب. أما بموجب النظام الجديد فيتعين على المسافرين فقط مسح رمز الاستجابة السريعة (QR code) باستخدام متصفح الهاتف المحمول بعد دخول الصين، وتقديم بيانات هويتهم لمرة واحدة، وعندها سيحصلون على رمز استجابة سريعة شخصي مخصص لاسترداد الضرائب عند المغادرة، وهو رمز يمكن استخدامه في جميع أنحاء البلاد.
يمكن مسح رمز الاستجابة السريعة (QR code) ضوئياً في أي متجر مشارك في برنامج استرداد الضرائب أو في أي منفذ للمغادرة في كل أنحاء البلاد، كما يمكن للمسافرين استخدامه للوصول إلى نماذج استرداد الضرائب الإلكترونية والفواتير الإلكترونية، والحصول على تحديثات فورية حول طلبات الاسترداد الخاصة بهم، مما يجعل العملية برمتها رقمية بالكامل وتتسم بالشفافية وإمكانية التتبع.
كما أحدث النظام الخالي من الأوراق تحولاً في العمليات لدى تجار التجزئة المشاركين.
وقال أحد الموظفين في متجر «لوسون» (Lawson) المخصص لاسترداد الضرائب في مطار بكين العاصمة الدولي: «خلال مواسم الذروة للسفر، كان يتعين على العملاء غالباً الوقوف في طوابير لمجرد الحصول على نماذج ورقية لاسترداد الضرائب».
وأضاف: «نكتفي الآن بمسح رموز الاستجابة السريعة (QR codes) الخاصة بالعملاء عبر النظام الإلكتروني لجمع بيانات الهوية، ثم نُنشئ طلب استرداد المبلغ إلكترونياً وبشكل تلقائي ونرسله مباشرةً إلى هواتفهم، فلا حاجة للتعبئة اليدوية أو الطباعة أو الانتظار. وبذلك، يقضي المتسوقون وقتاً أقل بكثير في طوابير الانتظار، كما لم نعد بحاجة إلى تركيب معدات طباعة إضافية».
ومن بين التحديثات الرئيسية الأخرى في السياسة المتبعة استحداث نظام للتفتيش العشوائي على طلبات استرداد الضرائب للمشتريات منخفضة القيمة.
اصطف عدد من المسافرين الدوليين، صباح الأول من يوليو، بانتظام أمام نقطة خدمات استرداد ضريبة المغادرة في ميناء فوتيان بمدينة شنتشن في مقاطعة قوانغدونغ بجنوبي الصين. وأتمّ يانغ لي تشين، وهو مسافر من منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة اعتاد التنقل بين شنتشن وهونغ كونغ، إجراءات استرداد الضريبة بسلاسة بعد شرائه كاميرا ذكية مزودة بمثبت (Gimbal)، ليسترد نحو 530 يواناً (77.98 دولاراً أميركياً).
وقال يانغ: «لم أخضع اليوم للتفتيش الميداني، لذا لم تستغرق إجراءات استرداد الضريبة بأكملها سوى بضع دقائق. وتجعل هذه السياسة الجديدة شراء المنتجات الصينية عالية الجودة أكثر سهولة وراحة بالنسبة لنا».
بموجب السياسة الجديدة، التي دخلت حيز التنفيذ في أول يوليو، تخضع طلبات استرداد الضرائب المتعلقة بمشتريات تقل قيمتها عن 10 آلاف يوان للفحص المادي العشوائي فقط، في حين تظل الطلبات التي تبلغ قيمتها 10 آلاف يوان أو أكثر خاضعة للفحص المادي الإلزامي لكل سلعة على حدة.
وأوضح صن يي مينغ، نائب رئيس قسم مراقبة الأمتعة التابع لإدارة مراقبة البريد والخدمات السريعة في جمارك شنتشن، قائلاً: «يعتمد نظام الفحص العشوائي نهجاً قائماً على تقييم المخاطر بهدف تحسين إجراءات استرداد الضرائب».
وقال صن، في تصريح لصحيفة «الشعب اليومية»، «لم يعد معظم السياح الذين يطلبون استرداد مبالغ صغيرة نسبياً بحاجة إلى الانتظار في طوابير لإجراء الفحص المادي لمجرد استرداد مبالغ تتراوح بين بضع مئات أو حتى بضع عشرات من اليوانات، إذ يمكن للمسافرين الذين لا يقع عليهم الاختيار الانتقال بسرعة إلى الخطوة التالية، بينما يتولى موظفون مخصصون مساعدة المسافرين الذين يتم اختيارهم للفحص، مما يضمن سير العملية بنظام وكفاءة، ويُحسّن بشكل كبير تجربة استرداد الضرائب».
لقد جعلت تحسينات السياسات هذه تجربة التسوق في الصين أكثر جاذبية بكثير للزوار القادمين من الخارج.
لفتت تشكيلة واسعة من المنتجات المحلية الصنع انتباه السائحة الروسية مارينا، عقب زيارتها أشهر المعالم السياحية في مدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين، ومن بينها علب هدايا تحتوي على خيار البحر، ومشغولات يدوية مصنوعة من الصدف وعرق اللؤلؤ، ودمى محشوة على شكل فقمة مرقطة.
وقالت مارينا: «كانت إجراءات استرداد الأموال بسيطة ومباشرة جداً، وتم تحويل المبلغ على الفور، والآن أرغب في شراء المزيد من المنتجات الثقافية والإبداعية كهدايا لعائلتي وأصدقائي».
ومع التوسع المستمر في تطبيق سياسة استرداد ضريبة المغادرة، تتزايد أعداد المتاجر التي توفر خدمة استرداد الضرائب في جميع أنحاء البلاد، بالتزامن مع تنوع أكبر في السلع المعروضة، وتساهم هذه السلع المتنوعة في توفير تجربة تسوق أكثر إرضاءً للزوار الدوليين، كما تضمن خدمات استرداد الضرائب الميسرة تدفقاً مستقراً للمتسوقين الأجانب إلى المتاجر.
في هذا السياق، قال مدير متجر «أديداس أوريجينالز» (Adidas Originals) في أحد مراكز التسوق بمدينة تشونغتشينغ جنوب غربي الصين: «تضاعفت أعداد الزبائن لدينا منذ بدء تطبيق خدمة استرداد الضريبة الفوري في شهر أبريل»، وأضاف أن المبيعات المنفذة عبر برنامج استرداد الضريبة الفوري تمثل حالياً نحو 6% من إجمالي إيرادات المتجر.
واصلت مدينة تشونغتشينغ منذ بداية العام الحالي توسيع نطاق خدمات استرداد ضريبة المغادرة، حيث أضافت 73 متجراً جديداً إلى قائمة المتاجر المشاركة في البرنامج، ليرتفع إجمالي عدد المتاجر المشمولة بالخدمة في المدينة إلى 363 متجراً.
وقال لي لين، نائب مدير مكتب خدمات وإدارة استرداد الضرائب على الصادرات التابع لمصلحة الضرائب في تشونغتشينغ، «لقد أنشأنا أيضاً نقاط خدمة مركزية لاسترداد الضرائب الفوري في مناطق التسوق الرئيسية التي تحظى بشعبية لدى الزوار الدوليين، بما في ذلك مناطق جيفانغبي، وتشاوتيانمن، وغوانيينتشياو، ومركز ذا ميكس سي (The MixC) التجاري».
وأردف لي: «بالإضافة إلى ذلك، تشارك تشونغتشينغ في برامج تجريبية مع عدة مقاطعات لتمكين الاعتراف المتبادل بخدمات استرداد الضرائب الفوري عبر مختلف المناطق، وسنواصل مستقبلاً توسيع نطاق التجار المشاركين، وتنويع المنتجات المتاحة، وتوفير آليات أكثر ملاءمة وسهولة للزوار القادمين من الخارج لاسترداد الضرائب».
لماذا تجمع الروبوتات الصينية بين الجودة والأسعار المناسبة؟
قدم الراقص «وو يوفي» من مقاطعة سيتشوان، خلال مشاركته في العرض الأول للموسم الحادي والعشرين من برنامج «أميركا غوت تالنت» أخيراً، عرضاً استمر ثلاث دقائق، بمشاركة ثمانية روبوتات بشرية من طراز«جي-1»، أنتجتها شركة «يونيتري روبوتيكس» الصينية.
وحظي العرض بإشادة بالإجماع من الحكام الأربعة، مما أهّل الراقص للانتقال إلى المرحلة التالية، حيث علّق أحد الحكام قائلاً: «لقد كان أداؤهم مذهلاً».
وأثارت مقاطع هذا العرض اللافت نقاشات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي خارج الصين، حيث عبّر العديد من المستخدمين حول العالم عن دهشتهم من أداء الروبوتات وأسعارها. وقال أحدهم: «لقد تحققت من السعر، ووجدت أنه أقل من 10 آلاف دولار للروبوت! الأذرع الروبوتية لوحدها في مصانع بلادنا تكلف أكثر من ذلك بكثير!».
وتُظهر أحدث البيانات الصادرة عن الإدارة العامة للجمارك أن القيمة الإجمالية لصادرات الروبوتات بمختلف أنواعها قد بلغت 11.32 مليار يوان خلال الربع الأول من عام 2026. وتم تصديرها إلى 148 دولة ومنطقة حول العالم.
وسجل قطاع الروبوتات البشرية أداء لافتاً بشكل خاص، ففي عام 2025، بلغ إجمالي الشحنات العالمية من الروبوتات البشرية نحو 13 ألف روبوت، استحوذت الشركات الصينية المصنعة على الأغلبية العظمى منها. وتمتاز الروبوتات البشرية الصينية بأسعارها الأكثر تنافسية مقارنة بنظيراتها الغربية. إذ يُباع الطراز الأساسي من إنتاج «يونيتري روبوتيكس» بأقل من 6 آلاف دولار، في حين يبلغ سعر النسخة الأصغر من شركة «أجيبوت» نحو 14 ألف دولار.
وفي هذا الصدد، علّق أحد مستخدمي الإنترنت الأجانب قائلاً: «كنت أعتقد أن الروبوتات مجرد منتجات ترفيهية مستقبلية، لكنني أرى الآن أن الصين حولتها إلى منتجات استهلاكية متاحة للجمهور الواسع».
تدريب روبوتات الذكاء الاصطناعي المتجسد على التحكم بالحركة في سيتشوان
ويطرح مستخدمون من مختلف أنحاء العالم الآن السؤال التالي: «كيف تمكنت الصين من تصنيع روبوتات تجمع بين الأداء العالي والأسعار الجيدة»؟
إجابة عن هذا السؤال، يشير خبراء الصناعة إلى أن الصين هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك جميع الفئات الصناعية المحددة في نظام تصنيف الأمم المتحدة، وهو ما يضمن تكاملاً سلساً يمتد من المواد الخام في المراحل الأولى للإنتاج إلى تصنيع المنتجات النهائية في المراحل اللاحقة. وتُعد القدرة على التحكم في تكاليف سلاسل التوريد، وهي نتيجة مباشرة لتطور السلسلة الصناعية بأكملها، عاملاً رئيسياً وراء قدرة الشركات الصينية على إنتاج روبوتات عالية الجودة بأسعار منخفضة.
وتتداخل التقنيات الأساسية للروبوتات الشبيهة بالبشر، مثل المحركات ومخفضات السرعة والبطاريات وأجهزة الاستشعار وأنظمة التحكم الإلكتروني، بشكل كبير مع التقنيات المستخدمة في مركبات الطاقة الجديدة (NEVs). وبفضل ريادة الصين العالمية في إنتاج ومبيعات مركبات الطاقة الجديدة لسنوات طويلة، وفرت منظومة سلاسل التوريد الناضجة والشاملة والفعالة من حيث التكلفة «بنية تحتية» جاهزة لتطوير قطاع الروبوتات.
وبعد عقد من التقدم التقني وتوسيع القدرات الإنتاجية، انخفضت أسعار الروبوتات الصناعية المحلية القياسية المتعددة الأغراض لتتراوح بين 70 ألفاً و150 ألف يوان. كما تراجعت تكلفة شراء أنظمة الروبوت المتكاملة بشكل ملحوظ مقارنة بما كانت عليه قبل عشر سنوات. إذ أصبحت بعض الطرازات المحلية تُباع حالياً بنحو ثلث تكلفة الوحدات المستوردة المماثلة سابقاً. وبشكل عام، اتبع القطاع مساراً يجمع بين انخفاض الأسعار وتحسن الجودة والأداء.
وتشكل «عائدات الكفاءات البشرية» وتنوع سيناريوهات التطبيق قوة دافعة أساسية للتطور المستمر لصناعة الروبوتات في الصين. وتشير الإحصاءات إلى أن الصين تتصدر العالم من حيث إجمالي الموارد البشرية، وعدد الكوادر العلمية والتقنية، وحجم القوى العاملة في مجال البحث والتطوير. ومع تخريج أكثر من خمسة ملايين طالب سنويا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، توفر البلاد تدفقاً مستمراً من المواهب التقنية التي تغطي مختلف حلقات سلسلة صناعة الروبوتات.
وبفضل هذا الدعم البشري المتعدد المستويات، الذي يضم مهندسين متخصصين في مجالات الخوارزميات والتصميم الميكانيكي وأنظمة التحكم الإلكتروني وخطوط التصنيع الذكي، أصبحت شركات الروبوتات الصينية قادرة على تطوير مسارات متعددة للبحث والتطوير التقني في الوقت نفسه.
من مناولة المواد والفرز واللحام في المصانع، إلى رص البضائع والفحص في المستودعات، وتحضير القهوة وإعداد الطعام في قطاع الخدمات الغذائية، وصولاً إلى خدمات التوصيل في المرحلة الأخيرة من سلسلة الخدمات اللوجستية. توفر هذه السيناريوهات المتنوعة في العالم الحقيقي بيانات تدريب قيّمة لا يمكن الاستغناء عنها لتطوير الروبوتات.
وتعمل الصين على تحويل تقنيات الروبوتات إلى منتجات عالية الجودة وبأسعار معقولة، بما يتيح للمستخدمين في مختلف أنحاء العالم اقتناءها والاستفادة من إمكاناتها.
الحوسبة الفضائية… نقل مراكز البيانات إلى المدار
تسرّع الصين من تطوير الحوسبة الفضائية، وهي تقنية ناشئة تهدف إلى نقل القدرة الحاسوبية من الأرض إلى المدار. وما كان يُعتبر في السابق مفهوماً مستقبلياً، أصبح اليوم يدخل مرحلة التحقق الميداني والنشر الفعلي.
في وقت سابق من هذا العام، نجحت شركة آداسبايس تكنولوجي المحدودة (ADAspace)، المتخصصة في مجال الفضاء التجاري، بالتعاون مع جامعة شانغهاي جياو تونغ، في استخدام قدرة حوسبة فضائية للتحكم في روبوت أرضي.
خلال العرض التوضيحي، أصدر المستخدم أوامر بلغة طبيعية من على الأرض، فقام نموذج ذكاء اصطناعي كبير موجود على قمر صناعي في المدار بمعالجة الطلب، ثم نقل التعليمات عبر رابط اتصال فضائي- أرضي، ووجّه الروبوت لإنجاز المهام الموكلة إليه.
وقد مثّل ذلك علامة فارقة أخرى في جهود الصين لبناء بنية تحتية حاسوبية فضائية. لماذا يُعتبر مثل هذا النظام ضرورياً، وكيف تخطط الصين لتطويره؟ في هذا الصدد قامت صحيفة الشعب اليومية بإجراء مقابلة مع خبراء للإجابة عن هذه الأسئلة.
قال كبير المهندسين في الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (CAICT)، خه باوهونغ: «تشير الحوسبة المعتمدة على الفضاء إلى بنية تحتية للمعلومات الفضائية يتم إنشاؤها من خلال نشر أنظمة الحوسبة ومرافق تخزين البيانات والاتصالات عالية السرعة في المدار، ودمج قدرات الحوسبة والتخزين ونقل البيانات».

تُظهر الصورة الكوكبة الافتتاحية ضمن شبكة «ستار-كومبيوت» التابعة لشركة «أدا سبيس» للتكنولوجيا المحدودة
إن الدفع لتطوير الحوسبة القائمة على الفضاء مدفوع بثلاثة احتياجات ملحّة؛
الدافع الأول هو الفجوة المتزايدة بين الطلب المتصاعد على قوة الحوسبة والقيود على الموارد الطاقية.
وقال كبير المهندسين في معهد بحوث الحوسبة السحابية والبيانات الضخمة التابع لأكاديمية الصين لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (CAICT)، قوه ليانغ، إن التطور السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي دفع الطلب على القدرة الحاسوبية إلى النمو بشكل هائل. وتشير الإحصاءات إلى أن مراكز البيانات في الصين استهلكت 196 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء عام 2025.
وتواجه مراكز البيانات الأرضية قيوداً متزايدة بسبب ارتفاع استهلاك الطاقة، وتكاليف التبريد المتصاعدة، ومحدودية توفر الأراضي. ومن خلال الاعتماد على الطاقة الشمسية الوفيرة في الفضاء لتوليد الكهرباء بشكل مستمر، تُقدّم الحوسبة الفضائية نهجاً جديداً لمواجهة هذه التحديات.
والدافع الثاني هو الحاجة المتزايدة لمعالجة البيانات بشكل أسرع: تقليدياً، تتبع بيانات الأقمار الاصطناعية أسلوب العمل «التقاط، ثم نقل، ثم معالجة»، مما يعني أن الحصول على بيانات الاستشعار عن بُعد القابلة للاستخدام غالباً ما يستغرق عدة ساعات. في تطبيقات مثل الوقاية من حرائق الغابات، الاستجابة للفيضانات، وحماية الحقوق البحرية، كل دقيقة لها أهميتها.
من جانبه، قال عميد كلية علوم الحاسوب في جامعة بكين للبريد والاتصالات، وانغ شانغ قوانغ، إن فريقه يعمل على مجموعة تيانسوان الفضائية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي على متنها لمعالجة البيانات مباشرة في المدار، مما يسمح بنقل معلومات الأهداف الرئيسية إلى الأرض في غضون دقائق. في سيناريوهات الاستجابة للطوارئ، يمكن أن يغيّر هذا إدارة الكوارث من الإنقاذ بعد الكارثة إلى التحذير المبكر قبل وقوعها.
العامل الثالث هو الأهمية الاستراتيجية للموارد المدارية والطيف الراديوي، وكلاهما محدود وغير قابل للتجدد: بينما تتنافس الدول على هذه الموارد الاستراتيجية، أصبح تطوير الحوسبة الفضائية ليس أولوية صناعية فحسب، بل أيضا جزءًا مهما من البنية التحتية الرقمية والأمن.
وأضاف قوه إن تطوير الحوسبة القائمة على الفضاء يمكن تقسيمه إلى 3 مراحل؛ تتضمن الأولى الحوسبة بواسطة قمر اصطناعي واحد. كل قمر اصطناعي مزود بوحدات حوسبة ذكاء اصطناعي ذات قدرة حوسبية معيّنة لإجراء معالجة أولية على صور الاستشعار عن بُعد، بما في ذلك التصفية وإزالة السحب والتعرّف إلى الأهداف، قبل إرسال البيانات الصالحة مرة أخرى إلى الأرض.
والمرحلة الثانية هي شبكات الأبراج، حيث يتم ربط عدة أقمار اصطناعية من خلال روابط بين الأقمار لتكوين شبكة محلية في الفضاء. وهذا يتيح الحوسبة الموزعة، وتخصيص الموارد بشكل ديناميكي، ومعالجة المهام بشكل تعاوني بين الأقمار.
أما المرحلة النهائية فهي إنشاء شبكة حوسبة فضائية، حيث يتم نشر عقد حوسبة كبيرة مخصصة في المدار لتشكيل مجموعات حوسبة فضائية، مما يتيح تكاملا سلسا بين موارد الحوسبة الفضائية والأرضية.
لقد تقدّمت صناعة الحوسبة الفضائية في الصين الآن من مرحلة البحث النظري إلى مرحلة التحقق العملي في المدار، والبدء في نشر شبكات الأقمار الاصطناعية الحاسوبية.

إجراء دراسات أساسية على اختبار أداء لوحات التبريد السائل لرقائق الحوسبة الفضائية
وقد حقق التحقق التكنولوجي اختراقات مهمة، حيث إن الصين أكملت اختبارات في المدار تشمل عدة أقمار اصطناعية وأطلقت بنجاح عدة أقمار اصطناعية تجريبية مزودة بحمولة الحوسبة الطرفية، مؤكدة جدوى استخدام المكونات التجارية في الفضاء.
كما حققت تقدماً كبيراً في مجال الاتصالات بين الأقمار الاصطناعية، حيث أكملت روابط الاتصال الليزرية المطورة بشكل مستقل اختبارات النقل عالي السرعة بين عدة أقمار اصطناعية.
إن انتشار كوكبات الأقمار الاصطناعية يدخل الآن فترة من التوسع السريع. كما بدأت كوكبات النطاق العريض في مدار الأرض المنخفض، بما في ذلك كوكبة تشيانفان، بعمليات الإطلاق المنتظمة، إذ يتم تصميم جيل جديد من الأقمار الاصطناعية بسعة مخصصة للحمولات الحاسوبية، ممهدا الطريق لقدرات متكاملة في الاتصالات والملاحة والاستشعار عن بُعد.
وكشفت شركة آداسبايس (ADASpace) عن خطة تتطلع فيها إلى نشر شبكة تضم 2800 قمر اصطناعي حاسوبي. كما أطلقت شركة غالاكسي سبيس (GalaxySpace)، الرائدة في تقديم حلول الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية وتصنيعها، أكثر من 40 قمراً اصطناعياً حتى الآن، وهي تعمل حالياً على تطوير منصة أقمار اصطناعية من الجيل الثالث مصممة خصوصاً للحوسبة الفضائية.
نظام بيئي صناعي متكامل يتشكل: لقد تم تأسيس لجان مهنية متخصصة، مثل لجنة المحترفين في الحوسبة الفضائية، ومعهد بكين لأبحاث الحوسبة الذكية الفضائية، بينما تم افتتاح مركز بكين للابتكار في الحوسبة الفضائية رسمياً.
وقد أصدرت الصين أيضاً قائمة تضم 10 مشاريع ذات أولوية تستهدف التقنيات الرئيسية للحوسبة الفضائية، ويشارك في هذه المشاريع أكثر من 10 شركات رائدة، من بينها لاند سبيس وغالاكسي سبيس وزد تي إي وبوي، لتغطي بذلك سلسلة الصناعة بأكملها، بدءاً من المنصات والحمولات الفضائية والرقائق الإلكترونية، وصولاً إلى الشبكات والبرمجيات والتطبيقات.
وتتطور سيناريوهات التطبيق من مجرد توفير الوظائف الأساسية إلى تقديم قابلية استخدام فائقة، وقد شهدت الحوسبة الفضائية تقدماً أوّلياً في التبني التجاري عبر القطاعين الاستهلاكي والصناعي. في سيناريوهات الاستجابة للطوارئ، مثل الوقاية من حرائق الغابات وإدارة الفيضانات، إذ تتيح بيانات الاستشعار عن بُعد التي تتم معالجتها عبر الحوسبة المدمجة على المدار توزيع معلومات الكوارث في غضون دقائق، مما يشكل حلقة تجارية أولية مغلقة.
وأضاف قوه: «تكمن أكبر قوة للصين في قدرتها على تنسيق الموارد عبر سلسلة الصناعة بأكملها». واستنادًا إلى قاعدتها الصناعية القوية وسوقها المحلي الضخم، تسعى بكين لاتباع مسار تنموي يدمج بشكل عميق الاتصالات، والملاحة، والاستشعار عن بُعد، والحوسبة في مجموعات أقمار اصطناعية متعددة الوظائف.
ينشر بالتعاون مع صحيفة الشعب اليومية الصينية