اقتصاد قوي لا يعني بالضرورة مواطنين أكثر رضا

قد تبدو خريطة الثروة العالمية واضحة عند النظر إلى الأرقام الكبرى، لكن خلف كل رقم قصة مختلفة، فالدولة التي تتصدر قوائم الناتج المحلي أو متوسط الثروة قد لا تكون بالضرورة المكان الذي يشعر فيه المواطنون بأنهم الأكثر رخاءً.
وبينما تتراكم المليارات في حسابات بعض الأفراد والشركات، يبقى السؤال الأكثر تعقيداً: هل تقاس قوة الاقتصاد بحجم ما يملكه الأغنياء، أم بما يعيشه المواطن العادي في حياته اليومية؟
الثروة العالمية
تقرير الثروة العالمي الصادر عن بنك «يو بي إس» يكشف أن الثروة العالمية واصلت ارتفاعها خلال عام 2025، إذ مقابل كل 10 دولارات امتلكها العالم في بداية العام، أضيف أكثر من دولار جديد بنهايته، كما تجاوز متوسط الثروة نصف مليون دولار في سبع دول حول العالم.
بيد أن الخبراء يحذرون من أن المتوسط قد يقدم صورة مضللة، لأنه يتأثر بشدة بثروات الفئات الأعلى دخلاً، التي قد ترفع الرقم الإجمالي رغم أن غالبية السكان لا يشاركون بالضرورة في هذه المكاسب.
ولهذا السبب، يعتبر مؤشر الثروة المتوسطة أو الوسيطة «للتعبير عن ثروة الأفراد في منتصف الهرم الاقتصادي» (Median Wealth) أكثر تعبيراً عن واقع المجتمع، لأنه يقيس الوضع المالي للفرد الموجود في منتصف توزيع الثروة، وليس فقط متوسط الجميع.
وبحسب التقرير، جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية عالمياً من حيث متوسط الثروة، لكنها تراجعت إلى المركز الـ 28 عند قياس الثروة الوسيطة. في المقابل، تقدمت بلجيكا من المرتبة الـ11 في متوسط الثروة إلى المركز الثاني في الثروة الوسيطة، كما انتقلت إيطاليا من المركز الـ 23 إلى المركز الـ 11.
الاقتصادات الكبرى
وتأتي هذه النتائج في وقت يتزايد الجدل حول المقارنة بين الاقتصادات الكبرى، خصوصاً بعد نقاشات حول ما إذا كانت أوروبا أصبحت «أفقر» مقارنة بالولايات المتحدة، استناداً إلى مؤشر الناتج المحلي الإجمالي للفرد، وهو أيضاً متوسط قد لا يعكس الواقع المعيشي لجميع السكان.
ورغم أن الاقتصاد الأميركي، الذي يمتد تاريخه لأكثر من 250 عاماً، حقق نجاحات هائلة، ووصل إلى مرحلة ظهور أول ملياردير تريليونير، فإن السؤال يبقى: هل يشعر المواطن الأميركي العادي بهذا الازدهار مقارنة بسكان دول أخرى؟
فنلندا، على سبيل المثال، تصنف باستمرار ضمن أكثر دول العالم سعادة، رغم أن نصيب الفرد من الثروة فيها يقل بنحو %60 عن الولايات المتحدة، أما إسبانيا، التي يقل فيها هذا الرقم بنسبة تتجاوز %130 مقارنة بأميركا، فإن نحو ثلثي سكانها يرون أن أوضاعهم الاقتصادية الشخصية «جيدة أو جيدة جداً»، وفق استطلاعات حديثة.
مفهوم الثراء
وتوضح هذه المقارنات أن مفهوم الثراء لا يعتمد على حجم الأموال فقط، بل يرتبط أيضاً بتكاليف المعيشة، وجودة الخدمات العامة، وقدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم اليومية.
وتبرز الصين مثالاً آخر على اختلاف مفهوم الرفاه الاقتصادي، إذ قد تكون بعض تكاليف المعيشة، مثل الوقود، أعلى من الولايات المتحدة، لكن وسائل النقل العام والمطاعم والترفيه والتعليم الجامعي أقل تكلفة بكثير.
وفي الوقت الذي تدعو السلطات الصينية المواطنين إلى زيادة الإنفاق لدعم الاقتصاد، يبقى الأفراد أصحاب القرار النهائي في كيفية إدارة أموالهم ومستوى استهلاكهم.
في الوقت نفسه، يثير صعود الذكاء الاصطناعي أسئلة جديدة حول مستقبل الثروة والعمل، فالتقنيات الحديثة خلقت فرصاً استثمارية ضخمة، لكنها أثارت أيضاً مخاوف بشأن فقدان الوظائف واتساع الفجوة بين المستفيدين والمتضررين.
خفض الوظائف
في السياق، يرى خبراء أن موجة خفض الوظائف المحتملة بسبب الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى توترات اجتماعية وسياسية إذا لم يتمكن الاقتصاد من توزيع مكاسب هذه التكنولوجيا بشكل أوسع.
ولا تقتصر تداعيات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، بل تمتد إلى البيئة أيضاً، فقد شهدت شركات التكنولوجيا الكبرى ارتفاعاً في الانبعاثات نتيجة التوسع الهائل في بناء مراكز البيانات اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتشير تقارير إلى أن إحدى الشركات أطلقت انبعاثات تعادل ما تنتجه نحو 19 مليون سيارة تعمل بالبنزين.
ويرى محللون أن التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في تطوير الذكاء الاصطناعي، بل في ضمان وصول فوائده إلى شرائح أوسع من المجتمع، خصوصاً أن بعض الأشخاص الأكثر استفادة من هذه الثورة التكنولوجية هم أنفسهم الذين يواجهون انتقادات بسبب تركّز الثروة لديهم.
الحروب التجارية
على صعيد آخر، تواصل الحروب التجارية إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، وسط نقاشات حول ما إذا كانت سياسات الحماية التجارية تحقق بالفعل مكاسب طويلة الأجل.
وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن الصين تمكنت من تعزيز موقعها في بعض المواجهات التجارية، بينما تواجه أوروبا ضغوطاً متزايدة لاتخاذ خطوات أكثر حدة لحماية صناعاتها، خصوصاً في ظل المنافسة الصينية المتصاعدة.
وتزداد تعقيدات هذا الملف مع التغيرات المناخية، إذ أصبحت أوروبا بحاجة متزايدة إلى منتجات صينية، مثل أجهزة التكييف، لمواجهة موجات الحرارة المتزايدة، وهو ما يتعارض جزئياً مع محاولاتها تقليل الاعتماد على الواردات الصينية.
ويعيد هذا الجدل إلى الأذهان تجربة اليابان في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أدت التوترات التجارية مع الولايات المتحدة إلى اتفاقيات تركت آثاراً اقتصادية عميقة على الاقتصاد الياباني، ويرى مراقبون أن الصين لا تبدو مستعدة لتكرار التجربة نفسها.
تحولات اقتصادية
وفي مناطق أخرى من العالم، تعكس التطورات الاقتصادية تحولات لافتة، فقد أصبحت غيانا صاحبة أسرع اقتصاد نمواً عالمياً بفضل طفرة النفط، ما جذب موجات من المهاجرين الباحثين عن فرص جديدة، خصوصاً من كوبا التي تواجه أزمة اقتصادية.
كما يواصل بعض المستثمرين المراهنة ضد موجة الذكاء الاصطناعي، معتبرين أن التقييمات الحالية للشركات قد يكون مبالغاً فيها. وفي قطاع آخر، أدى ازدياد شعبية المراهنات الرياضية إلى تحقيق إيرادات ضريبية ضخمة لبعض الولايات الأميركية، لكنه فرض أيضاً تحديات تتعلق ببرامج مكافحة الإدمان.
حماية العمال
في ظل ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، تبحث أوروبا أيضاً عن حلول لحماية العمال من موجات الحر المتكررة، مستفيدة من تجارب مناطق أخرى اعتادت التعامل مع الظروف المناخية القاسية.
في النهاية، تؤكد هذه التطورات أن الثروة ليست رقماً واحداً يمكن قياسه بسهولة، فاقتصاد قوي لا يعني بالضرورة مواطنين أكثر رضا، ونمو سريع لا يضمن توزيعاً عادلاً للمكاسب. وبينما تعيد التكنولوجيا والتجارة والمناخ رسم ملامح الاقتصاد العالمي، يبقى التحدي الأكبر هو بناء نموذج يجعل الازدهار أكثر شمولاً، وليس مجرد أرقام قياسية في تقارير الثروة.