أسواق عالمية
المنافسة تشتد بين أفضل القنوات الاستثمارية جذبا في عصر كورونا .. والبيع خسارة

من المؤكد أن عام 2020 لا يسير على ما يرام للمستثمرين أو الراغبين في الاستثمار، حيث إن جائحة فيروس كورونا أسفرت عن أسابيع وأشهر من إغلاق الأسواق، وتراجع الإنتاج الصناعي العالمي، وتدهورت التجارة الدولية، وأصيبت الأسواق الدولية بحالة من الشلل أفقدت المستثمرين شهيتهم المعتادة للاستثمار، بل أثارت تساؤلات حول الإمكانية الحقيقية للاستثمار في الوقت الراهن.
الأرقام المتاحة وفقا لمؤشر فوتسي تشير إلى أن أي شخص كان لديه استثمارات في البورصة البريطانية يحتفظ الآن باستثمار أقل 31 في المائة مما كان عليه قبل شهر، والوضع مقارب أيضا بالنسبة لمؤشر S&P 500 في الولايات المتحدة.
وأطاح هذا الوضع والتعثر الذي تشهده سوق الأسهم بما يعده كثير من الخبراء عقدا من الزخم الاقتصادي تميز بسهولة كسب المال في سوق الأسهم تحديدا، خاصة بعد أن عززت منصات الاستثمار الرقمي الاتجاهات الاستثمارية لدى الفئات الشابة، وأدت إلى فتح الأفق الاستثماري أمام جمهور أوسع من أي وقت مضى.
يقول لـ«الاقتصادية»، كريس آندرس المحلل المالي في بورصة لندن، “أخطر ما يحدث حاليا أن أولئك الذين دخلوا الأسواق الاستثمارية وتحديدا أسواق الأسهم في مرحلة ما خلال الأعوام العشرة الماضية، سيعانون أول انهيار كبير لهم، وقد يكون الإغراء المتاح الآن أمامهم هو، الخروج من عالم الاستثمار وعدم العودة بتاتا، رغم أن عمليات البيع والخسارة جزء طبيعي من سلوك الأسواق، لكن الخسائر هذه المرة من الحدة بأن تنفر قطاعات من المستثمرين الجدد من الاستثمار مجددا”.
ويضيف، “عملية البيع الآن وعلى نطاق واسع ربما تكون أكثر المسارات الاستثمارية خطورة وطريقة مؤكدة لزيادة الخسائر، فلا يجب بيع الأسهم في فترات التراجع السعري الكبير”.
في ذات الإطار، تعتقد روهينا داس الخبيرة الاستثمارية، أن الوقت الحالي ربما يكون الأكثر إيجابية للراغبين في الاستثمار طويل الأجل في مجال الأسهم.
وتقول لـ«الاقتصادية»، إن “الهشاشة في أسواق الأسهم العالمية ليست جديدة، وإن أخذت هذه المرة منحنيات متراجعة للغاية بسبب تفشي فيروس كورونا، لكن في نهاية المطاف ونظرا للطبيعة العالمية للأزمة، وتعهد الحكومات جميعها في العالم بالتدخل، فإنه يمكن الجزم بأن الأسواق ستستعيد عافيتها خلال فترة زمنية قصيرة، وبالطبع بعض القطاعات الصناعية ستكون أفضل من غيرها”.
وتعتقد روهينا داس، أن القطاعات التي يمكن أن يحقق الاستثمار فيها حاليا أرباحا مالية ملموسة مستقبلا هي قطاعات: الشحن البحري والطيران والقطاع السياحي والصناعات الترفيهية وقطاع الأدوية وشركات اللوجيستيات والتعبئة.
وتضيف، “كثير من تلك القطاعات تضرر بسبب جائحة فيروس كورونا، لكن مع تراجع الجائحة أو اكتشاف مصل أو علاج لمواجهة الفيروس، واستئناف الحياة نشاطها مجددا فإن تلك القطاعات ستزدهر، وسترتفع قيمة أسهمها مرة أخرى”.
وتؤكد أن الأسواق “ستتحسن في نهاية المطاف، وإذا لم يكن لديك أي حاجة وشيكة لأموالك، فيمكنك وضعها في سوق الأسهم، وكن واثقا من أنها سترتفع على المدى الطويل”.
ولكن ماذا عن الاستثمار في الذهب؟ وهل هو مجدٍ في الأوضاع الراهنة؟
العام الماضي كان الذهب أحد أعلى الاستثمارات أداء، إذ بدأ العام بسعر 1286 دولارا للأونصة، وأنهى العام بـ1525 دولارا للأونصة، أي حقق زيادة 18.5 في المائة. ورغم أن أسعار الذهب هدأت في الربع الأخير من العام الماضي، إلا أن الآفاق كانت إيجابية بالنسبة لـ2020.
الآن تتباين الآراء حول جدوى الاستثمار في الذهب.
جاك جوردن الاستشاري في اتحاد السبائك البريطانية يعد أن الاستثمار في الذهب حاليا أمرا إيجابيا للراغبين في تحقيق أرباح مستقبلية.
ويقول لـ«الاقتصادية»، إن “تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تشير إلى أن الإجراءات التي تتخذ للحد من انتشار فيروس كورونا ستؤدي إلى انخفاض الناتج الاقتصادي بين 20 و25 في المائة، في مثل تلك الظروف يلجأ المستثمرون إلى استثمار أموالهم في الملاذات الآمنة، وبالطبع الدولار الأمريكي هو سيد سوق العملات في العالم، لكن نظرا لانخفاض أسعار الفائدة، فإن الذهب يتفوق على الدولار، ومنذ بداية العام حتى الآن ارتفع سعر الذهب عالميا بنحو 5.3 في المائة، ومع تراجع قيمة الأسهم دوليا، وعدم وجود أفق واضح لمعرفة متى يمكن للاقتصاد الدولي الخروج من الوضع الراهن؟، فإن الذهب سيكون الاستثمار الأفضل حاليا”.
ويضيف، “حتى مع العودة إلى الأوضاع الطبيعية فإن المعدن الأصفر يعد استثمارا ممتازا وسط تصاعد التوترات العالمية، خاصة ما يلوح بقوة في الأفق من تحالف غربي تقوده الولايات المتحدة ضد الصين، كما أن التيارات القومية وتبنيها استراتيجيات اقتصادية حمائية تشهد صعودا دوليا، وعدم اليقين تجاه المستقبل حتى بعد الخروج من جائحة كورونا سيتواصل، وهناك مؤشرات على تحرك دورة الديون قصيرة الأجل في ظل فترة ركود، وهذا كله يشير إلى أن الذهب سيكون أداؤه جيدا حتى بعد انقشاع الجائحة”.
لكن الباحث الاقتصادي في بنك إنجلترا جليجهار تيلر لا يتبنى وجهة النظر تلك.
وتقول لـ«الاقتصادية»، إن “الوضع الراهن في أسواق الذهب مرتبط بتراجع الاقتصاد العالمي، وتلك الحالة في نهاية المطاف حالة مؤقتة، ومع انتهاء فترة الإغلاق واسترجاع النشاطات الاقتصادية وتحسن سوق الأسهم، ستتراجع أسعار الذهب وربما تنخفض بشدة، كما يجب ان نأخذ في الحسبان أن الدولار يتوقع أن يستعيد قوته مع عودة الاقتصاد العالمي إلى مزيد من التفاعل”.
مع هذا تبدو تقديرات بنك أوف أمريكا بشأن مستقبل الذهب على الأمد الطويل إيجابية. فقد أصدر البنك تقريرا يشير إلى أن تقديرات خبرائه تتوقع أن يصل سعر الأونصة إلى ثلاثة آلاف دولار بحلول نهاية 2021، على خلفية الميزانيات القياسية للبنك المركزي الأمريكي والعجز المالي الحكومي.
ومنذ منتصف كانون الثاني (يناير) ارتفع مؤشر الدولار الذي يقيس الدولار الأمريكي مقابل سلة من العملات الدولية 2 في المائة، ويعكس ذلك افتقاد المستثمرين إلى بدائل استثمارية أخرى، ما يتوج الدولار باعتباره الرابح الأكبر بين العملات، وسط توقعات بمزيد من التحسن في قيمته المستقبلية.
ويؤكد لـ«الاقتصادية» الدكتور إل.إس. بيشوب أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة ليفربول، أنه في أوقات مثل تلك التي يواجهها الاقتصاد العالمي حاليا، فإنه من المنطقي أن يفضل كثير من المستثمرين خاصة صغار المستثمرين الاحتفاظ بأموالهم نقدا، ولا شك أن أكثر العملات إغراء في الوقت الحالي الدولار، نظرا لما يتمتع به من قبول على المستوى العالمي، كما أن قائمة العملات الآمنة قد ضاقت في الوقت الحالي لتضم كل من الفرنك السويسري والدولار الأمريكي.
لكن الدكتور بيشوب يعد أن الاحتفاظ بالأموال نقدا حتى وإن كانت دولارات لا يعد استثمارا صحيحا في الوقت الراهن، نظرا لانخفاض أسعار الفائدة على الدولار واقترابها من الصفر.
لكن، ماذا عن الاستثمار في العملات الافتراضية؟
يعتقد ريتشار بريدلي الخبير في شركة جالاكسي الرقمية، أن الاستثمار في العملات الافتراضية في الوقت الراهن استثمار نموذجي، فالعملات الافتراضية من وجهة نظره وجدت تحديدا لمثل تلك الأوقات العسيرة.
ويقول لـ«الاقتصادية»، “عندما تنتهي جائحة فيروس كورونا، سيتم في نهاية المطاف تخفيض قيمة الدولار وكذلك العملات الأخرى نتيجة ضخ تريليونات الدولارات من المساعدات الحكومية المالية في الاقتصادات الوطنية، كما أن سياسة التحفيز النقدي من قبل البنوك المركزية ستخفض قيمة الدولار وغيره من العملات، وهذا على الأقل سيعزز نظريا وضع العملات الافتراضية باعتبارها أكثر قدرة على التحوط ضد التضخم”.
لكن تحليل التطور السعري للعملات الافتراضية وتحديدا، البيتكوين التي يراوح سعرها الراهن حول سبعة آلاف دولار للعملة الواحدة، يكشف أنها عانت خلال الأسبوعين الماضيين للحفاظ على ذات المستوى السعري، ما يعني أن رد فعل المستثمرين تجاه العملات الافتراضية لم يكن إيجابيا، ويقوض آمال أنصارها بأن تصبح ملاذا آمنا في أوقات اضطراب الأسواق.