تقرير اقتصادي: ندوة «الفتوى» تكشف ثغرات قانون «التستر التجاري» وتداعياته

تعكس الندوة التي عقدتها إدارة الفتوى والتشريع الأسبوع الجاري بشأن قانون مكافحة التستر التجاري جانباً من الاختلالات التي تدور حول القانون وآثاره المحتملة على طبيعة الأعمال والأنشطة في السوق المحلي، كما أن «الندوة» من زاوية أقل مثّلت درجة من التجاوب الحكومي في التفاعل مع التساؤلات المجتمعية بشأن واحد من أبرز التشريعات التي أقرها مجلس الوزراء خلال الفترة الماضية، ولا سيما المتعلقة بالشأن الاقتصادي.
نقاش وفرض
ومع أن النقاش المفيد حول أي تشريع، خصوصاً من الجهة الحكومية القانونية المختصة، وهي «الفتوى والتشريع»، يُفترض أن يتم قبل صياغة القانون لا بعد صدوره، حيث يتم استمزاج الآراء والاستفادة من الخبرات والتجارب لتكون من ضمن فلسفة القانون ومواده، فضلاً عن أهمية أن تكون الإجراءات التيسيرية وتسهيل القواعد والقرارات هي أساس السياسات الاقتصادية الحكومية خلال فترات التأزم الإقليمي، وما يصاحبها من ضبابية في اليقين وصعوبة في بناء التنبؤات، فإنه لا يزال من المأمول – ولو على نطاق ضيّق – أن يتم تلافي العديد من الملاحظات والإجابة عن التساؤلات الخاصة بكيفية تطبيق القانون وآثاره، والتي تناولتها ندوة «الفتوى والتشريع»، وقبلها ندوة جمعية المحامين نهاية أغسطس الماضي، وأيضاً ما تناولته الصحافة المحلية والتحليلات الاقتصادية والتعليقات القانونية حول التشريع الجديد في «مكافحة التستر التجاري» المتوقع تطبيقه في فبراير 2027 عقب صدور اللائحة التنفيذية.
الإجراءات التيسيرية ينبغي أن تكون أساس السياسات الاقتصادية الحكومية خلال فترات التأزم والضبابية
تحوُّل جوهري
وحسب بيانات وزارة التجارة والصناعة، فإن القانون يمسّ في نطاقه أكثر من 140 ألف نشاط تجاري فعّال في البلاد، وبالتالي، فإن قانون مكافحة التستر التجاري من شأنه أن يُحدث تحولاً جوهرياً في طبيعة الأنشطة التجارية والخدمات في مجتمع يمثّل فيه الوافدون نحو 70 بالمئة من السكان، ولا يستطيعون تجاوز النسبة المقررة لسقف ملكية أي نشاط أكثر من 49 بالمئة. ويشكّل المواطنون في القطاع العام 84 بالمئة من حجم العمالة الوطنية، ولا يجوز لهم جمع العمل التجاري بالوظيفة الحكومية، مما يعني أن معظم الأنشطة التجارية في البلاد، خصوصاً المتوسطة والصغيرة، من المرجح أن تخضع لما تضمّنه القانون من تعريفات ومخالفات وعقوبات.
القانون يمسّ في نطاقه أكثر من 140 ألف نشاط تجاري فعّال في البلاد
توفيق الأوضاع
ومع تأكيد وجاهة ما طُرح في ندوتَي «الفتوى – المحامين»، وغيرها من مشاركات بشأن ضرورة منح فترة لتوفيق الأوضاع للكيانات التجارية المخالفة للقانون، كما منحت قطاعات أخرى عاماً أو عامين للتوفيق عند صدور قوانين أو تعليمات جديدة؛ كالشركات المنتهية الترخيص أو شركات التأمين أو الصرافة والذهب، وكذلك قواعد الحوكمة للشركات المدرجة في بورصة الكويت وصناديق الاستثمار ومراقبي الحسابات وغيرهم، إلّا أن مسألة توفيق الأوضاع على أهميتها تظل في نطاق المعالجة غير الأساسية، وتمثل تهدئة للسوق، ولكن على المدى المتوسط.
وغنيّ عن القول أن توفيق الأوضاع لمعالجة واقع منحرف متراكم منذ عشرات السنين بطبيعته يختلف عن المهلة المحددة بـ 6 أشهر ما بين صدور القانون رسمياً وإصدار اللائحة التنفيذية، فتوفيق الأوضاع في حالات «التستر التجاري» قد يتطلب بضع سنوات، في حين أن غيره من عمليات التوفيق قد يتطلب عاماً أو عامين.
قانون «التستر» من شأنه أن يُحدث تحولاً جوهرياً في طبيعة الأنشطة التجارية والخدمات
المعالجة الجوهرية
المعالجة الجوهرية للتعاملات التجارية المستترة، والتي تسمى شعبياً بـ «التضمين»، يجب النظر اليها من زاوية كونها نتيجة لبيئة أعمال سيئة وصعبة، وليست سبباً بحد ذاته، وهذا يستوجب رفع القيود المباشرة وغير المباشرة التي تمنع ممارسة العمل التجاري بشكل مباشر.
السماح للأجنبي
وهذا يعني ضرورة رفع نسبة السماح لتملّك الأجانب المقيمين في البلاد الى 100 بالمئة، من دون قيود تفضي لمشاركة وهمية لمواطنين بشكل مستتر، وهي النسبة المتاحة نفسها لأي أجنبي من خارج البلاد لتملّك شركة وفق قانون الاستثمار الأجنبي المباشر، كما يتاح لأي أجنبي تملُّك أي حصة بأي شركة في بورصة الكويت، حتى لو كانت مصرفاً أو شركة اتصالات وغيرهما، من دون قيود، ولا شك في أن طبيعة الأعمال التجارية التي يمكن أن تتعرض لقانون مكافحة التستر التجاري في السوق المحلي من خدمات وتجارة أصغر وأقل تعقيدا من الملكيات المتاحة عبر الاستثمار الأجنبي أو عبر البورصة، وبالتالي تحتاج الى تيسير أكبر كي تخدم قطاعات أوسع في السوق.
تحفيز الموظف
كذلك يُفترض أن تسعى مؤسسات الدولة لتحفيز موظفي القطاع العام على التوجه للعمل في القطاع الخاص، خصوصاً إذا كان لبعضهم أنشطة تجارية مستترة، وهذا يستوجب العمل على تنمية بيئة الأعمال المحلية من خلال معالجات تتعلق بتسهيلات حصول الشباب الكويتيين على الأراضي اللازمة لإقامة الأنشطة والمشاريع والتمويلات الميسّرة، وتقليص البيروقراطية الحكومية في المعاملات، فضلاً عن إصلاح الأوضاع المرتبطة بتشجيع عمل الكويتيين كأصحاب للأعمال (الباب الخامس) في نظام التأمينات الاجتماعية.
الشركة الخفية
ومن المسائل المهمة التي تتداول بشأن قانون التستر التجاري تلك المتعلقة ببما يُعرف بالشركة الخفية، والتي يعتبرها قانون التستر التجاري «تضميناً» مُجرَّماً، ويراها قانون الشركات كشركة «محاصة» جائزة قانوناً، وهي في حقيقتها شراكة بين شخصين أو أكثر لا تظهر أمام الغير، ولا تُقيد في السجل التجاري، ومقصورة على العلاقة بين الشركاء، وليس لها كيان قانوني مستقل، وهذا النوع من الشركات منتشر على نطاق واسع في النشاط التجاري المحلي، وطالما مثّلت آلية قانونية سليمة لممارسات تجارية وخدمية، ولا بُد من وجود تعريف واضح قبل نفاذ القانون بصدور لائحته التنفيذية، كي لا يقع الملتزم بقانون الشركات تحت طائلة عقوبات قانون التستر التجاري.
حوارات إيجابية
ومن المهم القول إن النقاش الذي أطلقته إدارة الفتوى والتشريع وجمعت فيه وزارة التجارة مع الأكاديميين والقانونيين هو إيجابي في صورته العامة، ولكن حتى يتحول الى نهج مفيد؛ فمن الأولى أن تُعقد هذه الحوارات من «الفتوى» أو غيرها من جهات الاختصاص الحكومي قبل صدور القانون، وأن تؤخذ ملاحظات المختصين الفنية والقانونية في التعديل أو التشريع، والأهم من ذلك كله أن تفضي التشريعات الاقتصادية والمالية والتجارية كلها نحو معالجة اختلالات الاقتصاد الهيكلية وتحفيز بيئة الأعمال وتطويرها.