أخبار

وجهة نظر: تنمية الاقتصاد الكويتي عبر تكامل المؤسسات العامة والخاصة

تمتلك الكويت مؤسسات حكومية وعلمية واستثمارية، إلى جانب مؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني، تعمل في مجالات التخطيط والتمويل والبحث والتكنولوجيا وتنفيذ المشروعات.

ولذلك، فإن تنمية الاقتصاد لا تتطلب تكرار الأدوار أو إنشاء كيانات متداخلة، بقدر ما تتطلب جمع هذه القدرات حول أولويات واضحة ومشروعات قابلة للتنفيذ والقياس.

على مستوى التخطيط والسياسات، تعمل وزارة الدولة للشؤون الاقتصادية والاستثمار، بالتنسيق مع الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية، ووزارة التجارة والصناعة، على رسم الأولويات الاقتصادية والتنموية وتنظيم بيئة الأعمال ومتابعة الخطط. 

وتنسق هيئة مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص (KAPP) طرح مشروعات البنية التحتية والخدمات التي يمكن للقطاع الخاص تنفيذها أو تشغيلها وفق الأطر المعتمدة. كما يدعم الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة أصحاب المبادرات بالتمويل والتدريب والخدمات المساندة، بينما تعمل هيئة تشجيع الاستثمار المباشر (KDIPA) على استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية ذات القيمة المضافة وتحسين الخدمات المقدمة للمستثمرين.

مؤسسات التمويل والاستثمار والقطاع الخاص

تضم المنظومة المالية الوطنية الهيئة العامة للاستثمار (KIA)، وشركات الاستثمار الكويتية، والبنوك المحلية. وتستطيع هذه الجهات المساهمة في تمويل الشركات والمشروعات، كل وفق اختصاصه ومعاييره الاستثمارية. كما تمثّل غرفة تجارة وصناعة الكويت حلقة وصل بين قطاع الأعمال والجهات الحكومية، وتوفر الجمعية الاقتصادية الكويتية والجمعية الكويتية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة قنوات لطرح الرؤى والتحديات التي يواجهها السوق والمبادرون.

البحث العلمي والتكنولوجيا من الفكرة إلى التطبيق

تُكمل مؤسسات البحث العلمي والتكنولوجيا هذه المنظومة، فمؤسسة الكويت للتقدم العلمي (KFAS) تموّل وتنفّذ برامج للبحث والتدريب والتطوير، وتبني التعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات العلمية. ويقدم معهد الكويت للأبحاث العلمية (KISR) بحوثاً تطبيقية واستشارات علمية وتقنية في مجالات تخدم احتياجات الدولة والقطاعات الإنتاجية، من بينها النفط والبتروكيماويات والطاقة والمياه وتحليتها والزراعة والاستزراع السمكي والبيئة.

أما الشركة الوطنية لمشاريع التكنولوجيا (NTEC)، المملوكة للهيئة العامة للاستثمار، فيمكن أن تسهم في ربط احتياجات السوق بالتقنيات والاستثمارات التقنية والخبرات اللازمة لتطبيقها، ودعم توطين التكنولوجيا والمشروعات التقنية. 

وبهذا تتكامل الأدوار: تدعم KFAS الابتكار وبناء القدرات، ويطور KISR الحلول التطبيقية وينقلها نحو الاستخدام، وتربط NTEC فرص التكنولوجيا بالاستثمار والتطبيق التجاري، بالتعاون مع الشركات المحلية والجهات المعنية.

مؤسسة وطنية للتنمية تربط الجهود المشتركة

تقدّم مؤسسات التمويل الوطنية، كل بحسب اختصاصه، تمويلاً مدعوماً من الدولة يمتد إلى آجال طويلة، فالصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية يمول مشروعات التنمية في الدول العربية والدول النامية، ويركز بنك الكويت الصناعي على التمويل الصناعي، فيما يختص بنك الائتمان الكويتي بالتمويل السكني للمواطنين. 

وتؤدي كل جهة دورها في مجالها، فيما تبرز الحاجة إلى مؤسسة تنموية محلية تربط التمويل بالخبرات الاقتصادية والبحثية والتقنية، وتجمع الجهود حول نطاق أوسع من المشروعات الإنتاجية داخل الكويت.

ومن هنا تبرز أهمية وجود مؤسسة كويتية وطنية للتنمية، مملوكة للدولة وتدار بمهنية، لتكون حلقة وصل وتنسيق بين المؤسسات القائمة ومحفزاً للاستثمار المنتج داخل الكويت. ويتحدد دورها في تنسيق الجهود وتطوير المشروعات ذات الأولوية، وتعبئة التمويل والخبرات المحلية والدولية، ومساندة انتقال المشروعات من الفكرة إلى الإنتاج والتوسع، مع احترام اختصاص الجهات القائمة والاستفادة من خبراتها.

وتشمل أدواتها التمويل طويل الأجل والضمانات وترتيبات التمويل المشترك مع البنوك المحلية وشركات الاستثمار، إلى جانب المشاركة في تطوير فرص استثمارية واضحة. وتعمل بالتكامل مع الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة لدعم المبادرات، ومع KAPP للمشروعات الكبرى المناسبة لنظام الشراكة، ومع KDIPA لاستقطاب المستثمرين والتقنيات، ومع KFAS وKISR وNTEC لتطوير المشروعات ذات المحتوى العلمي والتكنولوجي.

ويقاس نجاح المؤسسة الوطنية للتنمية بما تحققه من أثر إنتاجي واقتصادي داخل الكويت، إلى جانب التزامها بالانضباط المالي. ويمكنها تنسيق أعمالها والدخول في استثمارات مشتركة مع الهيئة العامة للاستثمار، كلٌّ ضمن اختصاصه، مع الحفاظ على استقلال أهداف المؤسسة وقراراتها وإدارتها.

إدارة مهنية ومساءلة واضحة

تكون المؤسسة مملوكة للدولة، لكنّ نجاحها يتطلب مجلس إدارة من ذوي الخبرة وإدارة تنفيذية مهنية، مع استقلال في القرارات اليومية، وقواعد معلنة لتقييم الجدوى والمخاطر، وإفصاح دوري ومراجعة مستقلة. ويتعين أن تتحمل المشروعات مسؤولية أدائها التجاري، وأن يرتبط الدعم بأهداف محددة، حتى لا تتحول المؤسسة إلى قناة تمويل مفتوحة أو جهة تنفيذية تنافس السوق.

كما ينبغي تحديد مسؤوليات كل جهة قبل بدء المشروع، وإعلان مؤشرات لقياس النتائج، مثل حجم التمويل الخاص الذي جرى استقطابه، ونمو الإنتاجية والصادرات، وعدد الوظائف المستدامة، ونسبة مشاركة الشركات الكويتية، ومدى نقل التقنية وتطبيقها محلياً. ولا يقاس النجاح بحجم الأموال المصروفة وحده، بل بقدرة المشروعات على الاستمرار وخلق قيمة مضافة للاقتصاد.

التكامل في مشروع وطني واحد

يمكن تطبيق هذا النهج على مشروع يعالج تحدياً في المياه أو الطاقة أو الأمن الغذائي. تحدد الجهات الحكومية والمستفيدون حاجة المشروع، ويسهم KISR في تطوير الحلول، وتدعم KFAS البحث والتدريب، وتساعد NTEC في ربط المشروع بالتكنولوجيا والخبرات. وفي هذا الإطار، تجمع المؤسسة الوطنية للتنمية التمويل الطويل الأجل والضمانات، وترتب التمويل المشترك مع البنوك وشركات الاستثمار والمستثمرين. وإذا كان المشروع كبيراً ومناسباً، تتولى KAPP مسار طرحه، وإذا نشأت حوله شركات صغيرة أو متوسطة، أمكن للصندوق الوطني دعمها وتأهيلها. كما تستطيع KDIPA المساهمة في جذب المستثمر الأجنبي ذي القيمة المضافة، فيما تنقل غرفة التجارة والجمعيات الاقتصادية احتياجات السوق إلى الجهات المعنية.

هذا مثال على توزيع الأدوار، لا على إضافة طبقات إدارية جديدة. ويمكن متابعة المشروعات من خلال منصة تنسيق أو فرق عمل محددة المسؤوليات، ترتبط بالجهات القائمة وترفع تقارير دورية عن التقدم والنتائج.

اقتصاد أكثر إنتاجاً وتنوعاً

ويتيح توظيف المؤسسات الكويتية ضمن مسار مشترك تحويل التمويل والبحث والخبرة إلى شركات ومنتجات وخدمات جديدة. وفي هذا المسار، توفر المؤسسة الوطنية للتنمية حلقة وصل بين الخطط التنموية ورأس المال والمشروعات المنتجة، وتنسق جهود الجهات القائمة مع احترام اختصاصاتها والاستفادة من خبراتها.

وتبقى الغاية أن تتسع قاعدة الإنتاج المحلي، وتنمو الشركات الكويتية، وتزداد فرص العمل النوعية والصادرات، ويصبح الاستثمار مرتبطاً بنتائج يلمسها الاقتصاد والمجتمع، فالتنمية لا تتحقق بكثرة المؤسسات منفردة، بل بوضوح أدوارها وقدرتها على العمل معاً حول أهداف اقتصادية قابلة للقياس.

* اقتصادي كويتي

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى