تقرير اقتصادي: إبعاد «التعاونيات» عن الخصخصة يستلزم تطبيق الحوكمة

حسم التصريح الصحافي الذي أدلت به وزيرة الشؤون الاجتماعية وشؤون الأسرة والطفولة د. أمثال الحويلة لـ «الجريدة» مسألة إبقاء الجمعيات التعاونية على وضعها الحالي دون خصخصة بالتوازي مع إعداد قانون جديد للحركة التعاونية.
ولعل من المفيد القول إن النظام التعاوني، الذي بدأ في الكويت مطلع ستينيات القرن الماضي؛ من خلال تأسيس جمعية كيفان ليتوج محاولات أولية مدرسية ونقابية مصغّرة، مثل الجمعية التعاونية بمدرسة المباركية في أربعينيات القرن الماضي، والجمعيات الخاصة بموظفي الدوائر الحكومية في الخمسينيات؛ بات اليوم يحتاج إلى كثير من التطوير وليس الإلغاء بالخصخصة من خلال شركات القطاع الخاص، أو التأميم عبر الملكية، أو حتى الإدارة الحكومية.
الطبقة المتوسطة
فالعمل التعاوني نظام اجتماعي قبل أن يكون تجارياً أو حتى ربحياً، وهو بالتأكيد لا ينحصر في مجرد سوق مركزي؛ بل بمنظومة تعكس دعم الطبقة المتوسطة وتقديم الخدمات الاجتماعية، علاوة على تنويع الخيارات الاستهلاكية، بالتالي فالمستهدف هنا تطوير المنظومة التعاونية التي عانت في العقود الأخيرة اختلالات مسّت كفاءة عملها وانحرفت عن تحقيق أهدافها.
سنوات ضاعت في مناقشات عقيمة تفاضل بين الانتخاب والتعيين وفي الحيرة بين الخصخصة والملكية العامة
سلامة وكفاءة
ومع تأكيد سلامة توجّه الوزيرة الحويلة بعدم خصخصة الجمعيات التعاونية؛ من المفيد تأكيد أن هذه الجمعيات بحاجة إلى مشروع واضح وجاد للحوكمة يستهدف رفع كفاءة الأداء، وتحقيق أهداف العمل التعاوني، وضمان عدم تعارض المصالح، وتمكين الجمعيات العمومية من الرقابة والمتابعة والتقييم؛ لإصلاح الاختلال المالي والإداري الذي أصاب شريحة من العمل التعاوني، حتى باتت مسألة الإحالات إلى النيابة العامة عملية شبه يومية، وبالطبع يظل الحديث عن جودة هذه الإحالات وجديتها ومصداقيتها؛ رهن شفافية وكفاءة وزارة الشؤون الاجتماعية، وربما يناقش في مناسبات أخرى.
مفاضلة وحيرة
فالحوكمة المطلوبة في العمل التعاوني هي ما يمكن أن تخرج هذا القطاع الحيوي من مناقشاته العقيمة منذ سنوات بشأن المفاضلة بين الانتخاب والتعيين، وكذلك الحيرة بين الخصخصة والملكية العامة، وهذه كلها، كعادة الإدارة العامة، تركّز على نقاش ومعالجة النتائج لا أسبابها، فهيكل الحوكمة في الجمعيات التعاونية يقوم على مجموعة ركائز كالملّاك، أي الجمعية العمومية، وأصحاب المسؤولية وهم مجلس الإدارة، والجهات المستقلة كمراقب الحسابات أو مكاتب المحاماة أو شركات التأمين، فضلاً عن الجهة الرقابية وهي وزارة الشؤون، وهذه كلها تحتاج إلى رفع جوهري في كفاءتها وإمكاناتها واختصاصاتها.
ضرورة خلق وظائف كالمطابقة والالتزام أو علاقات المساهمين وآلية تبيّن طبيعة ومبررات «التعاملات ذات الصلة»
دقائق بلا نقاش
فالجمعيات العمومية؛ يجب أن تدعم بآليات لا تضمن فقط سهولة انعقادها، بل أيضاً تمكينها من محاسبة مجلس الإدارة في مدى كفاءته في تحقيق أهداف العمل التعاوني، وواقع الحال منذ سنوات يبين أن الانعقاد السنوي للجمعيات التعاونية هو أمر برتوكولي لا تتعدى مدته دقائق وبلا نقاش، أما مجلس الإدارة، فأول ما يجب عمله أن يفصل عن الإدارة التنفيذية؛ لضمان وجود صيغة واضحة من عدم تعارض المصالح في قطاع يتعامل مع مليارات الدنانير سنوياً.
أسواق وديوان
وفيما يتعلق بالجهات المستقلة، خصوصاً مراقب الحسابات، يجب ألا يكون مراقباً واحداً، بل على الأقل مراقبَين، والأهم ألا يجدد بشكل متكرر سنوياً، بل يتم وضع قواعد لتنويع مراقبي الحسابات لئلا يؤدي تكرار المراقب نفسه إلى نشوء علاقة مصلحة أو تعارض مصالح يضر بآلية عمل الجمعية التعاونية، وأخيراً من المهم رفع كفاءة الجهة الرقابية، أي القطاع المسؤول عن العمل التعاوني في وزارة الشؤون، من خلال الاستعانة بالجهات الأكثر خبرة ومهنية في مجال الحوكمة كهيئة أسواق المال أو ديوان المحاسبة.
أهمية الاستعانة بالجهات الأكثر خبرة ومهنية في مجال الحوكمة كهيئة أسواق المال أو ديوان المحاسبة
دمج وفصل وخلق
ثمة مقترحات عديدة في سياق حوكمة العمل التعاوني، قد يكون من المفيد أن يستدركها القانون المتوقع صدوره، حسب تصريح الحويلة، كأن تدمج أربع أو خمس جمعيات تعاونية في نطاق جغرافي واحد في كيان تعاوني واحد، فيما تظل الإدارات التنفيذية مستقلة، حسب كل منطقة، لتوحيد سياسات الشراء والعروض والخدمات الموجهة للمساهمين؛ بما يدعم رفع الجودة وخفض التكاليف، إلى جانب أن تخلق وظائف أساسية لتطبيق الحوكمة يفتقدها العمل التعاوني حالياً، مثل وظيفة المطابقة والالتزام، أو مسؤول علاقات المساهمين، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية وجود آلية تبين طبيعة ومبررات وجود تعاملات ذات صلة، سواء كانت عائلية أو تجارية.
مواكبة التطورات
بل إن القانون المرتقب للجمعيات التعاونية يفترض أن يواكب التطورات في مجالات التسوق والاستهلاك، لا سيما التجارة الإلكترونية، كذلك التحديات المرتبطة بالمنافسة ومكافحة الاحتكار، فضلا عن خلق فرص استثمارية محددة للمشاريع الصغيرة وموجهة لـ «الباب الخامس».
القانون الجديد يفترض أن يواكب تطورات التجارة الإلكترونية ومكافحة الاحتكار وفرص «الباب الخامس»
الوقت الضائع
لقد مضت عقود وسنوات من نقاشات الوقت الضائع بشأن طبيعة أو هيكل الجمعيات التعاونية من انتخاب أو تعيين أو إدارة حكومية أو ملكية خاصة، وبات اليوم من أهم المسؤوليات هو خلق نموذج حوكمة يضمن استدامة وكفاءة وشفافية هذا النموذج المزيج من الأهداف الاجتماعية والاستهلاكية، حتى وإن مرت عليه تجارب سلبية، فالواجب إصلاح الخلل لا نسف الفكرة.