أخبار

دراسة: أثر الأزمات على المواعيد الضريبية

أثرت الظروف الأمنية الراهنة في انتظام العمل في كل من القطاعين الحكومي والخاص بالكويت، ففي القطاع الحكومي، صدر قرار عن مجلس الخدمة المدنية يقضي بتقليص نسبة العاملين في الجهات الحكومية بحيث لا تتجاوز 30٪ من إجمالي عدد الموظفين، في إطار الإجراءات الاحترازية المتخذة خلال تلك الفترة. وبالمثل، بادرت العديد من شركات القطاع الخاص باتخاذ إجراءات احترازية مماثلة، تمثلت في تطبيق نظام العمل عن بعد أو تقليل عدد الموظفين الموجودين في مقار العمل خلال هذه الظروف. 

ويُثار تساؤل حول أثر هذه الظروف في ممارسة بعض الالتزامات الضريبية والحقوق القانونية للشركات، ولا سيما تلك المرتبطة بالمواعيد المنصوص عليها في القوانين الضريبية. وفي هذا المقال نستعرض الإطار القانوني لهذه المواعيد، وأثر هذه الظروف الأمنية عليها.

أولاً: المواعيد القانونية في التشريعات الضريبية

في الكويت تُطبَّق عدة قوانين تفرض ضريبة على دخل الشركات، ويمكن تصنيف المواعيد الواردة في القوانين الضريبية واللوائح التنفيذية إلى أربع مجموعات: 1- مواعيد تنظيم تقديم الإقرارات الضريبية وسداد الضريبة، 2- مواعيد التظلم والطعن الإداري على قرارات الربط الضريبي، 3- مواعيد رفع الدعاوى القضائية، 4- مواعيد التقادم. 

وبالتركيز على هذه المواعيد المنصوص عليها في المرسوم رقم 3 لسنة 1955 بشأن ضريبة الدخل المعدل بالقانون رقم 2 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية (ويشار إليه هنا بقانون ضريبة الدخل) – والذي يفرض ضريبة على صافي الدخل السنوي للشركات التي تزاول العمل أو التجارة في الكويت بنسبة 15٪ – كمثال للقوانين الضريبية نبين فيما يلي هذه المواعيد وما يترتب على تفويتها:

1 – مواعيد تقديم الإقرارات الضريبية وسداد الضريبة

أوجب قانون ضريبة الدخل على الشركات تقديم إقرارات ضريبية – وهو المستند الذي يبين الايرادات السنوية للشركات وقيمة الضريبة الواجبة السداد – وسدادها إلى الإدارة الضريبية خلال المواعيد المحددة قانوناً، ويترتب على عدم الالتزام بمواعيد تقديم الإقرار الضريبي أو سداد الضريبة فرض غرامة تأخير بنسبة 1٪ من المبلغ المستحق عن كل ثلاثين يوماً أو جزء منها، كما يحق للإدارة الضريبية إجراء الربط التقديري بمعرفتها وتحديد الضريبة المستحقة عند عدم تقديم الإقرار الضريبي في الموعد المحدد.

2 – مواعيد التظلم والطعن الإداري

نظمت القرارات الإدارية مواعيد للتظلم من قرارات الإدارة بالربط الضريبي – أي القرارات التي تحدد مقدار الضريبة، سواء أكان التقدير اعتماداً على المعلومات المقدمة من الشركات أم على تقدير الإدارة – وذلك على مرحلتين، ففي المرحلة الأولى يحق لدافع الضريبة التظلم من قرار الربط الضريبي خلال 60 يوماً من تاريخ إخطاره بكتاب الربط، وذلك بتقديم تظلم إلى الإدارة الضريبية، أما المرحلة الثانية فتتعلق بالطعن على قرار رفض الإدارة للتظلم المقدم في المرحلة الأولى، حيث يحق لدافع الضريبة الطعن في الربط الضريبي خلال 60 يوماً من تاريخ إخطاره بقرار الرفض، من خلال طعن يقدم إلى لجنة الطعون الضريبية، ويترتب على فوات هذه المواعيد دون التظلم أو الطعن في أي من المرحلتين اعتبار الربط الضريبي نهائياً، وتصبح الضريبة واجبة الأداء. وقد أرست محكمة التمييز الكويتية في العديد من أحكامها مبدأ يقضي بعدم جواز الطعن أمام القضاء لإلغاء قرارات الربط الضريبي إذا تم تفويت مواعيد التظلم أو الطعن الإداري.

3 – مواعيد رفع الدعاوى والطعن القضائي

وفقاً للائحة التنفيذية لقانون ضريبة الدخل يحق للإدارة الضريبية ولدافع الضريبة الطعن في قرار لجنة الطعون الضريبية أمام المحكمة المختصة خلال 60 يوماً من تاريخ الإخطار بقرار لجنة الطعون الضريبية، وإذا انقضى الميعاد المشار إليه دون تقديم الطعن يصبح قرار لجنة الطعون الضريبية نهائياً وتكون الضريبة واجبة الأداء.

4 – مواعيد تقادم المطالبة القضائية

يُقصد بالتقادم سقوط الحق في المطالبة القضائية بالضريبة أو بردها بمضي مدة معينة يحددها القانون دون اتخاذ الإجراء القانوني اللازم خلال هذه المدة. ووفقاً لقانون ضريبة الدخل، لا يسقط حق الإدارة في اقتضاء الضريبة إلا بمضي خمس سنوات اعتباراً من تاريخ تقديم الشركات للإقرار الضريبي، أو من تاريخ علم الإدارة بالدخل الذي أخفته الشركات. وفي المقابل، يسقط حق الشركة في المطالبة برد المبالغ التي دفعتها بالزيادة بعد إجراء تسوية الوضع الضريبي، خلال خمس سنوات من تاريخ الإخطار بتسوية الوضع الضريبي النهائي، أو من التاريخ الذي أصبح فيه دافع الضريبة على علم بحقه في رد الضريبة المدفوعة بالزيادة، أي التاريخين أقرب.

ثانياً: أثر المستجدات الأمنية على المواعيد المنصوص عليها في التشريعات الضريبية

يثور تساؤل حول أثر الظروف الأمنية على الالتزام بالمواعيد المنصوص عليها في التشريعات الضريبية، وتحديداً ما إذا كان فوات هذه المواعيد دون القيام بالالتزامات أو ممارسة الحقوق – كعدم تقديم الإقرار الضريبي أو عدم الطعن أمام المحكمة – يترتب عليه الآثار المشار إليها في الجزء السابق من الدراسة، أم أن الظروف الأمنية الراهنة تؤدي إلى وقف احتساب هذه المواعيد، ومن ثم عدم تطبيق تلك الآثار.

بادئ ذي بدء، تجدر الإشارة إلى عدم وجود نص قانوني في التشريعات الضريبية يقرر قاعدة عامة لوقف المواعيد أو الإعفاء من آثار عدم الالتزام بها في الظروف غير المعتادة. ويستثنى من ذلك ما ورد في المادة 8 من قانون ضريبة الدخل، التي أخذت بفكرة «السبب المعقول» كأحد المبررات التي قد تحول دون توقيع الغرامة في حال التأخير في تقديم الإقرار الضريبي أو سداد الضريبة المستحقة. ويترتب على غياب نص عام يعالج أثر فوات المواعيد الضريبية أو يجيز وقفها في مثل هذه الظروف ضرورة الرجوع إلى القواعد العامة في القانون، وإلى ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز الكويتية في التعامل مع الظروف غير الاعتيادية، لا سيما ما يتعلق بأثر الغزو العراقي الغاشم وأزمة جائحة كورونا الصحية على المواعيد القانونية بوجه عام.

الأصل – وفق ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز الكويتية – أن المواعيد المقررة في التشريعات تعد مواعيد حتمية يترتب على فواتها الآثار المحددة بالقانون. فقد أكدت «التمييز»، في معرض التعليق على القرارات الوزارية التي نظمت اعتراضات دافعي الضريبة على الربط الضريبي ومواعيد التظلم والاعتراض، أن: «التشريعات الخاصة بتنظيم إجراءات تقدير الضريبة هي من القواعد القانونية الآمرة المتعلقة بالنظام العام، بما لا يجوز مخالفتها، وعلى المحكمة أن تقضي بها من تلقاء نفسها باعتبارها إجراءات ومواعيد حتمية أوجب المشرع التزامها وقرر وجهاً من المصلحة العامة في اتباعها». ويترتب على ذلك أن هذه المواعيد الحتمية لا يقف سريانها ولا يمد أجلها لمجرد وجود ظروف استثنائية، إذ إن هذه الظروف لا تؤدي بذاتها إلى تعليق هذه المواعيد.

غير أن هذا الأصل ليس مطلقاً، إذ يرد عليه استثناء يتمثل في نظرية القوة القاهرة، وهي نظرية عامة مستقرة في مختلف فروع القانون، ويقصد بها الحادث الخارجي الذي لا يمكن توقعه ولا دفعه ويجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً. وقد تكون هذه الاستحالة دائمة إذا وجدت ظروف يتعذر معها تنفيذ الالتزامات بصورة مطلقة، وقد تكون مؤقتة بحيث يتعذر معها تنفيذ الالتزامات لفترة محددة. وفي هذه الحالة الأخيرة يترتب على قيام القوة القاهرة وقف سريان الميعاد طوال مدة قيام الحادث المانع، على أساس أن المكلف لا يكون قادراً على اتخاذ الإجراء المطلوب لسبب خارج عن إرادته، على أن يستأنف احتساب المواعيد بعد زوال الظرف الطارئ. وقد أكدت المحكمة هذا المبدأ عندما قررت أن الاستحالة المؤقتة لا تؤدي إلى انقضاء الالتزام، إنما يقتصر أثرها على وقف تنفيذه إلى أن يصبح قابلاً للتنفيذ بزوال السبب الطارئ، فتستأنف الالتزامات المؤجلة سيرها بعد زوال المانع.

كما يتضح من أحكام «التمييز» الكويتية أن القضاء قد طبق هذه القاعدة في حالات استثنائية سابقة. فقد انتهت المحكمة، في أحد أحكامها، إلى أن توقف العمل بالمحاكم بسبب جائحة كورونا يعد ظرفاً يؤثر في حساب ميعاد رفع الدعوى حتى تاريخ استئناف العمل بالمحاكم. كما قررت في أحكام أخرى أن تعطيل العمل خلال تلك الفترة يجب أخذه في الاعتبار عند حساب المهل القانونية لرفع الدعوى. وفي الاتجاه ذاته، كيفت محكمة التمييز الغزو العراقي الغاشم بأنه مانع مؤقت يوقف سريان التقادم، إلا أن هذا المانع ينتهي بزوال الاحتلال، ولا يمنع صاحب الحق من المطالبة به بعد انقضاء المدة القانونية المقررة. ويتضح من هذه الأحكام أن قضاء محكمة التمييز الكويتية لا يعتد بمجرد قيام ظرف استثنائي لوقف المواعيد، إنما يشترط أن يبلغ هذا الظرف حد الاستحالة التي تحول دون اتخاذ الإجراء القانوني.

وإلى جانب هذا التطبيق القضائي، نظم قانون المرافعات الكويتي – الذي يعد الشريعة العامة فيما يتعلق بالإجراءات وسير الدعاوى والطعون أمام الدائرة الإدارية في كل ما لم يرد بشأنه نص خاص – كيفية احتساب المواعيد القانونية. وقد قننت المادة 17 مكرر من قانون المرافعات جانباً من نظرية القوة القاهرة، حيث نص على أنه في الأحوال التي يقرر فيها مجلس الوزراء تعطيل أو وقف العمل في المرافق العامة للدولة حماية للأمن أو السلم العام أو الصحة العامة، لا تحسب مدة التعطيل أو التوقف ضمن المواعيد الإجرائية المنصوص عليها في هذا القانون وقانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية وقانون حالات الطعن بالتمييز وإجراءاته، على أن يستأنف احتسابها اعتباراً من اليوم الذي يعينه مجلس الوزراء للعودة إلى العمل. إلا أن هذا النص لا ينطبق على المواعيد الضريبية المشار إليها، باعتبار أن هذه المواعيد وردت في قانون ضريبة الدخل والقوانين الضريبية الأخرى.

وبالانتقال إلى المواعيد الضريبية محل البحث، فإن نظرية القوة القاهرة قد تشكل – من حيث المبدأ – أساساً للاستناد إليه للقول بوقف هذه المواعيد في الظروف الحالية. إلا أنه يجب التأكيد على أن العبرة ليست بمجرد وقوع الظرف الاستثنائي أو بما يسببه من صعوبة أو إرهاق، إنما بمدى ترتب استحالة حقيقية تحول دون القيام بالإجراء القانوني، ويخضع تقدير قيام هذه الاستحالة من عدمه لرقابة القضاء.

وبتطبيق ذلك على الظروف الراهنة، المتمثلة في العدوان على البلاد وما ترتب عليه من إغلاق المطار وبقاء عدد من الموظفين والعاملين خارج البلاد، إضافة إلى قرار مجلس الخدمة المدنية بتقليص نسبة العاملين في الجهات الحكومية، فضلاً عن الإجراءات الاحترازية المتخذة في القطاع الخاص، فإن هذه الظروف – رغم ما تسببه من صعوبات بالغة في الوفاء بالالتزامات القانونية ومنها الإجراءات المرتبطة بالمواعيد – لا تبلغ كأصل عام حد الاستحالة المطلقة التي تقوم بها حالة القوة القاهرة الموجبة لوقف احتساب المواعيد القانونية بشكل مؤقت، إذ لم تؤد هذه الظروف إلى تعطيل كامل للمرافق العامة أو إلى استحالة مطلقة في اتخاذ الإجراءات القانونية، لا سيما في ظل ما يشهده العمل الإداري من تحول رقمي أتاح استمرار تقديم الطلبات والإقرارات واتخاذ العديد من الإجراءات عن بُعد، الأمر الذي أسهم في الحد من آثار هذه الظروف على الالتزام بالمواعيد القانونية، ومن ثم فإن هذه المواعيد تظل -في الوضع الراهن- سارية، لعدم تحقق شروط القوة القاهرة بالمعنى القانوني. ومع ذلك، فإن هذا التقدير يظل مرتبطاً بتغير الظروف الراهنة، مع بقاء القواعد القانونية المنظمة لوقف المواعيد واجبة التطبيق متى توافرت شروطها القانونية.

ختاماً، فمن الضروري التأكيد على أن ما انتهينا إليه من استمرار سريان المواعيد الضريبية في ظل الظروف الراهنة – لعدم تحقق حالة القوة القاهرة بالمعنى القانوني – لا يعني انتفاء الحاجة إلى بحث مدى ملاءمة منح تمديدات لهذه المواعيد أو إقرار تسهيلات أخرى، وذلك في ضوء ما تفرضه هذه الظروف من إرهاق كبير على الخاضعين للضريبة، وما قد تسببه من صعوبات عملية.

* متخصصة في القوانين 

الضريبية والمالية وعضوة هيئة تدريس في جامعة الكويت

** متخصصة في القوانين 

الدستورية والإدارية وعضوة هيئة تدريس في جامعة الكويت

اترك تعليقاً

إغلاق