أخبار

«مَن سَلّمهم شروط اللعبة؟»… رواية من السهل الممتنع

وأنا أقرأ رواية «مَن سَلّمهم شروط اللعبة؟»، عدت بنفسي أتصفح دفاتري وأعود لأيام مضت، وكيف جاء الساعي/ الطاغية ليقفز في غفلة من الزمن ويتسيّد ويكتم أنفاس الخلق ويرديهم بغياهب الموت أو مطاحن السجون.

نعم، كنت أحسد الروائية كيف استطاعت وبطريقة المبدع أو توافق الخواطر/ عمق التفكير أن تبني هذه المدينة التخيلية، وتخلق من حاضرتها مدينة خاوية طاردة لا يصدح بها إلا طائر الشؤم، ولا يخطو بشوارعها إلا أشباح القائد الضرورة.

فرواية ميس العثمان هي عصارة جهدها وخبرتها السردية، والتي ألبستها رداءً فلسفياً واقعياً، وضمّنتها السهل الممتنع من مفرداتها وبفواصل زمنية حددت من خلالها مراحل وفصول خنوع أهل الضوع لسطوة الطغاة الذين لا يفقهون من الحياة سوى رنّة البيزات ولمعان كرسي الشقاء.

ففي مدينتها المتخيلة، رسمت لنا الكاتبة صورة مصغّرة لمحاكمة أطرافها وهب والساقي وثالثهم فرحان وإن أشركت فضيلة المفتي الذي جلس عند منبر الطاغية ليبرر أفعاله.

فالطاغية الذي أتعبه نواح الطير وأرّقته الأسئلة التي لم يجد – رغم جبروته – لها حلًا، وكيف مآل ولايته، فجاء بمن يعينه على الحل، فكانت المعلمة/ المخلصة التي ستعيد له الحياة وتنقذ كرسيه الموشح بآهات المغيبين.

المعلمة وصاحبة الاسم والمعنى لم تكن يوماً إلّا معولاً يهد طموحات الطغاة وعوناً للمسحوقين، وبالتالي انحازت الى صف وهب وأفردت أشرعتها لتجعله وأهل مدينته يعبون نسائم فجر الحرية، وفي الوقت نفسه بدأت بتهديم أركان الساعي الى الخلود، وتعدّ منحدراً يقوده الى الهلاك.

وهنا وضعتنا الكاتبة أمام صورة أحاط بها الغبش؛ فهل يعتمد الإنسان الساعي الى الحرية أن ييمم وجهه نحو الغريب كي يعينه على الخلاص؟ لكنها أبعدت فكرة التدخل، بل الاستفادة من فكرة المعلمة وتجربتها إن حضرت أو لم تحضر، لأن الخوف من أن تكون يد العون أكثر ظلما واستبدادا من الساعي/ الطاغية.

شخصيات الرواية التي اعتمدتها الكاتبة تُعد على أصابع اليد، وبالرغم من أننا نشعر أمام مدينة امتلأت بأناس، فإنهم أعجاز نخل لا حراك بها؛ فها هي تضع فرحان/ الكلب؛ الذي مثّل الانسان الحر بحركته وفكره وحملته من خلال أنسنته وجعلته حاملاً لسرّ المدينة ومبلغ رسالاتها، وأن يكون متكأ للمعلمة، ووسيلة لربط الأحداث وتسهيل الوصول إلى الحلول والاستثناءات التي تتطلبها المرحلة.

سلّطت الرواية الضوء على جوانب الإنسان المختبئ وراء طموحات يدركها، لكن وبإرادة من يسيّره ويحتل مدينته/عقله يبقى خانعاً ويخفض من صوته ويطأطئ رأسه، ولا يسمع له إلا هسيس الموات.

أخذتني الكاتبة نحو ضفاف تكتظ بالهاربين/ المهاجرين والذين أقسموا أنهم سيجدون الحياة الأفضل، لكنهم ركسوا بأوحال الغربة وبطاغية أتعس وحصدوا اليأس.

أسلوب ميس هذه المرة اجتاز مراحل كتاباتها السابقة، فكانت تجربة غنية بحق لما عانته من ويلات «كورونا» وأخواتها.

لمَيس كل التوفيق، وآمل أن يأتي القادم وهو يحمل جزءا من الحل، لتستمر الحياة ويشرق الأمل، وتلغى المسافات، كي يعيش إنسان ميس بسلام… شكراً ميس.

إغلاق