أخبار

تقرير اقتصادي: لا مكان للمفاجآت… التحوط للأسوأ حتمية اقتصادية

مضت 12 يوماً على إعلان مؤسسة البترول الكويتية حالة القوة القاهرة في تصدير النفط مع تنامي المخاطر العسكرية للحرب الإقليمية خصوصاً في مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله خُمس الاحتياجات العالمية من النفط والغاز المسال.

وبالنسبة للكويت، التي تعتمد على مضيق هرمز بنسبة 100 في المئة من حيث صادرات النفط، وتعتمد على النقل البحري بنسبة لا تقل عن 70 في المئة من حيث واردات السلع والأغذية وبقية المسلتزمات الأخرى، فإن لإغلاق المضيق تبعات على الاقتصاد، بعضها سيظهر على المدى القصير أو المديين المتوسط والطويل. فوفقاً لتقديرات «غولدمان ساكس» فإن الكويت وقطر – التي أعلنت أيضاً القوة القاهرة في تصدير الغاز – ستشهدان انكماشاً قصير الأمد بنسبة 14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لشهري مارس وأبريل من العام الحالي.

فلتوقف البلاد عن تصدير النفط تبعات مباشرة على مجمل أوجه الاقتصاد خصوصاً ماليتها العامة، فهو يعني أن الكويت وفقاً لميزانية الدولة 2025 – 2026 فقدت معظم العائدات النقدية من تصدير النفط الخام بحدود 1.1 مليار دينار إلى 1.25 مليار شهرياً وفقاً لمتوسط سعر 67 دولاراً للبرميل الكويتي… ولا معنى لبلوغ سعر البرميل الكويتي مستويات قياسية تجاوزت 153 دولاراً لعدم القدرة على التصدير أصلاً.

صفقة الأنابيب لشركة نفط الكويت فقدت مستثمراً محتملاً بسبب أوضاع الحرب 

مخاطر السيولة 

هذه الأوضاع تعزز مخاطر السيولة في المالية العامة، خصوصاً مع دخول الميزانية الجديدة حيز التنفيذ، بما يعيد للأذهان الخطوة الحكومية التي تزامنت مع جائحة كورونا عامي 2020 -2021 عندما حولت الهيئة العامة للاستثمار أصولاً سائلة من الاحتياطي العام إلى احتياطي الأجيال بهدف الحصول على سيولة نقدية بقيمة 2.1 مليار دينار لتوفير التزامات الميزانية العامة لا سيما الرواتب، لكن اليوم الصيغة مختلفة قليلاً، فالاحتياطي العام ليس خالياً من السيولة النقدية نتيجة سلسلة من قروض الدين العام المحلي والخارجي، التي تشير بيانات بنك الكويت المركزي إلى أنها بلغت 5.9 مليارات دينار.

غير أن توفر مبالغ الدين العام كسيولة نقدية ليس مبرراً لإنفاقها على سداد المصروفات الجارية، فالغرض الأساسي من الاقتراض حسب التصريحات الحكومية هو تمويل مشاريع تنموية وبنية تحتية ذات عائد اقتصادي.

الظرف الاستثنائي

وحتى في حال الظرف الاستثنائي الذي تؤثر فيه أوضاع الحرب الإقليمية على المالية العامة، فمن المحتمل، وهو خيار اقتصادي سيئ، أن توجه أموال الدين العام لسداد عجز السنة الحالية المنتهية بعد أيام في 31 مارس الجاري، ومع توقف بيع النفط الكويتي خلال الشهر الأخير، فقد يرتفع العجز المقدر في الميزانية من 6.8 مليارات دينار إلى نحو 8 مليارات كقراءة مبدئية.

بالمحصلة، فإن توقف بيع النفط الكويتي يعزز مخاطر السيولة، وهو ما يتطلب وجود خطة طوارئ اقتصادية تماثل خطط الطوارئ الأمنية أو الصحية أو تلك المرتبطة بالأمن الغذائي وغيرها وهذه الخطة الاقتصادية تتطلب رسم سياسات وسيناريوهات متعددة، خصوصاً إذا طالت مدة الحرب، فربما نكون بحاجة إلى مراجعة لميزانية الدولة وآلية توجيه المصروفات فيها واحتمالية تسييل أصول سيادية أو اللجوء للجهات الحكومية المستقلة أو التوسع في إصدارات الدين العام وهذه كلها قرارات استثنائية في وقت بالغ الحساسية لا يمكن اتخاذها دون قراءة واعية وسليمة للمشهد الاقتصادي أو الجيوسياسي في المنطقة.

لسنا في واقع يسمح لنا بالتهاون تجاه الاحتمالات الاقتصادية أو التجارية أو المالية للحرب الإقليمية 

انسحاب مستثمر 

ويبدو أن تداعيات الحرب الإقليمية تتسارع بشكل أسرع من التوقعات فقد كانت الكويت في ظل هذه الحرب أول دولة خليجية تفقد مستثمراً محتملاً لصفقة مرتقبة إذ أعلنت شركة الاستثمار في البنى التحتية «ماكواري» الأسترالية انسحابها من المنافسة على حصة في تأجير شبكة خطوط أنابيب نفط التي تطرحها شركة نفط الكويت بقيمة تصل إلى 7 مليارات دولار، وهو أيضاً يعطي إشارة إلى مخاطر من تراجع جاذبية الاستثمار الأجنبي في المنطقة بشكل عام، وبالطبع الكويت جزء منها، وإن كانت حصتها أقل بكثير من دول الإقليم الأخرى، خصوصاً السعودية والإمارات.

آثار ومدى 

وتمتد الآثار المتوقعة من تداعيات الحرب ومداها الزمني من التأثير على المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومجمل الحركة التجارية في البلاد إلى تبعات انخفاض الاستيراد والوقف شبه الكامل لخطوط الإمدادات والشحن البحرية التي تشكل النسبة الأكبر من الاستيراد المحلي وصولاً إلى تداعيات اقتصادية أكثر وقعاً كالآثار التضخمية والأثر السلبي على النمو الاقتصادي.

حسب «غولدمان ساكس» الكويت وقطر ستشهدان انكماشاً قصير الأمد بـ 14% من الناتج المحلي

انكماش محتمل 

فاقتصاد الكويت سجل في عام 2023 انكماشاً بـ 3.6 في المئة وانكماشاً آخر بـ 2.6 في المئة عام 2024، ثم نمواً هو الأدنى خليجياً بحدود 2.7 في المئة عام 2025، بالتالي فإننا أمام حرب إقليمية قد تفضي إلى انكماش اقتصادي محلي وإقليمي وربما عالمي قوي تكون التأثيرات السلبية فيه مرتبطة بمدى التأثر المباشر من الحرب خصوصاً ما يرتبط بالقوة القاهرة لدولة كالكويت يمول النفط مجمل اقتصادها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

تداعيات وتراخٍ 

وهذه كلها تداعيات تعيد التأكيد على ضرورة أن يتحول وزراء الملفات الاقتصادية في الحكومة (النفط – التجارة – المالية – الاستثمار – التنمية) إلى جانب هيئات وجهات حكومية ذات علاقة مثل بنك الكويت المركزي والهيئة العامة للاستثمار ومؤسسة البترول الكويتية إلى فريق طوارئ اقتصادية يضع خطة وبدائل وسيناريوهات للتعامل مع التحديات والتداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

من المفيد القول إننا لسنا في واقع يسمح لنا بالتهاون أو التراخي تجاه الاحتمالات الاقتصادية أو التجارية أو المالية لهذه الحرب الإقليمية التي لا يعلم أحد لا وجهتها أو أهدافها وكلما كان التأخير في اتخاذ سياسات ورسم سيناريوهات للتعامل مع أي طارئ كلما كانت الخيارات أصعب والتكلفة أعلى.

 

اترك تعليقاً

إغلاق