أخبارتحقيقات وتقارير

جبال أفغانستان.. كنوز الأرض التي تُشعل سباق القوى العظمى.. وتصنع معادلات جديدة بين كابول وإسلام آباد

تقرير تحليلي خاص بمجلة المال والأعمال 

بين صخورٍ تكسوها الثلوج، وتلالٍ وعرةٍ تخفي في باطنها تاريخًا من الحروب والذهب والدماء، تعود جبال أفغانستان إلى واجهة الاهتمام العالمي، لا كرمزٍ للمقاومة أو الانقسام، بل كمخزنٍ هائلٍ للثروات المعدنية التي قد تعيد رسم الخريطة الاقتصادية والسياسية في آسيا والعالم.

تقديرات الخبراء تشير إلى أنّ قيمة المعادن في باطن الأرض الأفغانية تتجاوز 3 تريليونات دولار، وهي ثروة كفيلة بتحويل هذا البلد الفقير إلى واحدٍ من أهم مراكز التعدين في القرن الحادي والعشرين.

إلا أنّ هذه الثروة أصبحت أيضًا شرارة جديدة لصراعاتٍ إقليمية ودولية، كان آخرها الحرب الحدودية التي اندلعت مؤخرًا بين أفغانستان وباكستان، في ظلّ تساؤلاتٍ عن أدوارٍ خفية تحاول إعادة تشكيل المشهد الآسيوي، بعد أن رفضت طالبان إعادة قاعدة “باغرام” إلى الولايات المتحدة.

أولًا: ثروة في قلب الجبال: مملكة المعادن المنسية

تُعد أفغانستان من أغنى دول العالم بالموارد المعدنية، لكنّ موقعها الجغرافي الوعر وانعدام الاستقرار السياسي جعلا استغلال هذه الكنوز شبه مستحيل لعقودٍ طويلة.

فوفقًا لتقارير صادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) والبنك الدولي، تحتوي البلاد على كمياتٍ ضخمة من:

– نحو 2.2 مليار طن من خام الحديد؛

– 60 مليون طن من النحاس؛

– 183 مليون طن من البوكسيت (مصدر الألومنيوم)؛

– نحو 21 مليون طن من الليثيوم، وهو من أهم مكونات بطاريات السيارات الكهربائية والأجهزة الحديثة؛

– إلى جانب رواسب هائلة من الذهب واليورانيوم والكوبالت والمعادن الأرضية النادرة (Rare Earth Elements).

ويُعتقد أن منطقة “حجيغاك” في ولاية باميان تضم أكبر احتياطي من الحديد في آسيا، بينما تحتوي ولايات مثل غزني ونورستان وهلمند على احتياطات ضخمة من الليثيوم والنحاس، تُقارن من حيث الحجم بما تمتلكه بوليفيا وتشيلي والأرجنتين مجتمعة.

هذا التنوع المعدني جعل أفغانستان تُوصف في الدراسات الاقتصادية بـ«المملكة المنسية للثروات الطبيعية»، إذ لم تعرف البشرية حتى الآن دولةً حُرمت من استغلال كنوزها بهذا القدر.

ثانيًا: سباق الدول الكبرى – من يملك مفاتيح الجبال؟

مع تزايد الطلب العالمي على المعادن المستخدمة في التحول الطاقي والتقنيات المتقدمة، تحوّل الاهتمام بأفغانستان إلى سباقٍ محموم بين القوى الكبرى.

1. الصين: الباحثة عن الليثيوم

تُعد الصين اللاعب الأكثر نشاطًا في هذا الملف، إذ وقّعت شركاتها منذ 2023 عدّة مذكرات تفاهم مع حكومة طالبان لاستثمار مناجم الليثيوم والنحاس، ضمن إطار مبادرة “الحزام والطريق”.

تسعى بكين إلى تأمين إمدادات مستقرة من المواد الحيوية لصناعاتها الضخمة في البطاريات والطاقة النظيفة، وقد رأت في أفغانستان فرصة ذهبية لتقليل اعتمادها على واردات أمريكا الجنوبية.

2. روسيا: العائد الاقتصادي بعد السياسة

منذ استعادة طالبان السلطة، فتحت موسكو قنوات اقتصادية وتجارية جديدة مع كابول، مؤكدة دعمها لجهود “الاستقرار والتنمية”.

وتعتبر روسيا أن الاستثمار في التعدين والطاقة بأفغانستان يُحقق لها هدفين متوازيين:

الأول: تعزيز حضورها في آسيا الوسطى بعد الانسحاب الأمريكي،

الثاني: والحصول على موارد خام تُغذّي صناعاتها المتأثرة بالعقوبات الغربية.

3. الولايات المتحدة والغرب

رغم انسحابها العسكري عام 2021، لم تفقد واشنطن اهتمامها بالثروات الأفغانية، خصوصًا الليثيوم والمعادن النادرة التي تشكّل أساس الصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة.

مصادر غربية تحدثت عن ضغوط مارسها مسؤولون أمريكيون في ربيع 2025 لإعادة قاعدة باغرام الجوية إلى الاستخدام الأمريكي مقابل تقديم مساعدات اقتصادية، وهو ما رفضته طالبان بشكلٍ قاطع، معتبرةً أن “زمن القواعد الأجنبية قد انتهى”.

هذا الرفض –وفق محللين– كان بمثابة إعلان استقلالٍ سياسيٍ واقتصاديٍ جديد، دفع بعض القوى إلى محاولة محاصرة التجربة الأفغانية الناشئة عبر أدواتٍ أمنية واقتصادية وإعلامية.

ثالثًا: بين كابول وإسلام آباد – حرب الظل تتحول إلى نار

1. جذور النزاع الحدودي

العلاقة بين أفغانستان وباكستان معقّدة منذ عقود، تتشابك فيها القومية والحدود والإيديولوجيا.

فالحدّ الفاصل بين البلدين، المعروف بـ«خط ديوراند»، رسمه البريطانيون عام 1893، وضمّ مناطق قبلية واسعة إلى باكستان الحديثة.

وحتى اليوم، ترفض كابول الاعتراف بشرعيته، فيما تصرّ إسلام آباد على أنه خطّ دولي معترف به.

هذا الخلاف، إضافة إلى الطبيعة الجبلية الصعبة، جعل من الحدود الطويلة (أكثر من 2600 كيلومتر) واحدة من أكثر الجبهات اضطرابًا في آسيا.

2. تنظيم “تحريك طالبان باكستان” (TTP)

⁠تتهم باكستان جارتها أفغانستان بأنها تؤوي عناصر تنظيم “تحريك طالبان باكستان”، الذي شنّ خلال الأعوام الماضية سلسلة هجمات دامية داخل الأراضي الباكستانية.

لكنّ طالبان الأفغانية تنفي هذه الاتهامات، مؤكدة أنها لا تسمح لأي جماعة باستخدام أراضيها ضد دولة أخرى.

في المقابل، نفّذت باكستان في سبتمبر وأكتوبر 2025 ضرباتٍ جوية داخل الأراضي الأفغانية، قالت إنها استهدفت قادة التنظيم المذكور، وردّت كابول بإطلاق النار على مواقع حدودية، وأغلقت معابر تورخم وشمن، معلنةً سقوط عشرات القتلى من الطرفين.

3. أسباب التصعيد الأخيرة

– ازدياد هجمات TTP داخل باكستان، مع عجز إسلام آباد عن ضبط حدودها.

– بناء باكستان لسياجٍ حدودي داخل مناطق تعتبرها أفغانستان أرضًا سيادية.

– ضعف التنسيق الأمني منذ انسحاب الولايات المتحدة، وغياب قنوات دبلوماسية فعالة بين العاصمتين.

– رغبة طالبان في تأكيد استقلالها ورفضها لأي خرقٍ لسيادتها الوطنية.

ويشير محللون إلى أنّ الصدام الأخير لم يكن مفاجئًا، بل نتيجة تراكماتٍ استمرت منذ أكثر من عامين، كانت خلالها الاشتباكات الحدودية تتكرّر بشكل متقطع.

رابعًا: هل ترامب هو “المحرّك الخفي”؟

بعد فشل الضغوط الأمريكية لإعادة قاعدة باغرام، بدأ الحديث في بعض الأوساط السياسية عن احتمال وجود دورٍ أمريكي غير مباشر في توتير العلاقة بين كابول وإسلام آباد.

فالإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب (2025) تسعى إلى إعادة نفوذها في آسيا بعد تراجع الحضور الغربي، وقد رأت أن تمدّد الصين وروسيا في أفغانستان يهدّد مصالحها الاستراتيجية.

ومع أن أيّ دليلٍ مادي لم يُقدَّم بعد، إلا أن مراقبين يرون أن توقيت اشتعال الحرب الحدودية تزامن بشكل لافت مع إعلان طالبان توقيع اتفاقيات تعدين كبرى مع شركات صينية وروسية، ما أثار قلق واشنطن التي تخشى أن تتحوّل الجبال الأفغانية إلى خزان معادنٍ يخدم منافسيها.

ومهما يكن من أمر، فإنّ المشهد الراهن يعكس تغيّر قواعد اللعبة: طالبان لم تعد ورقة بيد أحد، بل أصبحت لاعبًا يرفض الإملاءات ويصيغ قراره الوطني وفق مصالح بلاده.

خامسًا: طالبان الجديدة: بين السيادة والتنمية

بعيدًا عن الصور النمطية التي رسختها سنوات الحرب، تظهر طالبان اليوم بوجهٍ مختلف: حكومةٌ تتحدّث بلغة السيادة والتنمية، وتعمل على إدارة مواردها بواقعية سياسية غير مسبوقة.

1. في الخطاب

⁠خلال الأزمة الأخيرة مع باكستان، استخدم المتحدثون باسم طالبان لغة دبلوماسية رصينة أكدت احترام القانون الدولي وحسن الجوار، مع التمسك المطلق بحق الدفاع عن السيادة.

وقد وصف المتحدث باسم الخارجية الأفغانية ما جرى بأنه “عدوان غير مبرر”، لكنه دعا إلى الحوار، مؤكدًا أن أفغانستان “لن تكون مصدر تهديد لأي دولة، ولن تسمح لأحد بانتهاك حدودها”.

2. في الممارسة

تعمل حكومة طالبان منذ عامين على إصلاح قطاع التعدين عبر تشريعات جديدة تنظّم عمليات الاستكشاف والاستخراج، وتُشجع الشراكات مع الشركات الدولية ضمن إطار من الرقابة الوطنية.

كما أطلقت برامج محلية لتشغيل آلاف الشباب في مشاريع التعدين الصغيرة، لتقليل البطالة وتحويل النشاط المعدني من فوضى التهريب إلى منظومة اقتصادية منتظمة.

3. في الرؤية المستقبلية

الخطط التي أعلنتها وزارة المعادن والبترول تهدف إلى تحقيق اكتفاءٍ جزئي في الصناعات المعدنية، وتطوير البنية التحتية للنقل والكهرباء بدعمٍ من الصين وإيران وقطر وتركيا.

وفي المقابل، تسعى طالبان إلى طمأنة المستثمرين بأن بيئة العمل في أفغانستان آمنة ومستقرة، وأن الحكومة الجديدة تختلف عن الصورة التي عرفها العالم قبل عقدين.

سادسًا: حرب الجبال وثروة الأرض: من يربح الجولة القادمة؟

الحرب الحالية بين أفغانستان وباكستان ليست فقط نتيجة خلافٍ على الحدود، بل انعكاسٌ لتغيّر موازين القوى في المنطقة.

فأفغانستان التي كانت لعقودٍ ملعبًا للقوى الأجنبية، تسعى اليوم لأن تكون لاعبًا فاعلًا يحدّد موقعه بين الشرق والغرب.

لكنّ التحديات هائلة:

• الانفلات الأمني في بعض الولايات،

• ضعف البنية التحتية للنقل والكهرباء،

• محاولات أطرافٍ دولية عرقلة مشاريع التنمية خوفًا من صعود نموذجٍ اقتصاديٍّ مستقلٍّ خارج الهيمنة التقليدية.

ومع ذلك، يُجمع المراقبون على أن طالبان أظهرت قدرة عالية على التكيّف السياسي، إذ انتقلت من مرحلة “البندقية والقتال” إلى مرحلة “التفاوض والاستثمار”، من دون أن تتخلى عن هويتها الإسلامية أو سيادتها الوطنية.

سابعًا: قراءة في المآلات

 1. السيناريو الأمني:

من المرجح أن تتجه الأزمة الحدودية نحو تهدئة مؤقتة برعاية قطرية أو صينية، مع بقاء جذور التوتر قائمة ما لم تُعالج قضية “تحريك طالبان باكستان” جذريًا.

 2. السيناريو الاقتصادي:

إذا نجحت طالبان في تثبيت الأمن على حدودها وتأمين الاستثمارات، فقد تتحول أفغانستان خلال عقدٍ واحد إلى مركزٍ إقليمي لصناعات التعدين والطاقة.

 3. السيناريو الجيوسياسي:

دخول الصين وروسيا بثقلٍ اقتصادي في أفغانستان سيُعيد تشكيل التوازن الآسيوي، وقد يفتح الباب أمام تحالفاتٍ جديدة، خاصة في ظل انسحابٍ غربي تدريجي من المنطقة.

خلاصة المشهد

إنّ الحرب الدائرة اليوم على أطراف كابول ليست فقط معركة حدودية، بل فصلٌ من صراعٍ أوسع على مستقبل الثروة والسيادة.

وفي قلب هذا المشهد، تبدو طالبان أكثر نضجًا من أي وقتٍ مضى؛ فبعد أن قاومت بالسلاح، ها هي تقاوم اليوم بالإدارة والعقل والوعي، ساعيةً إلى تحويل الجبال من رمزٍ للمعاناة إلى مصدرٍ للكرامة الوطنية.

إنّ جبال أفغانستان ليست “ذهبًا نائمًا” فحسب، بل بوصلةً جديدة للعالم تُعيد تعريف القوة والثروة، وتُثبت أن الشعوب التي تؤمن بحقها في السيادة قادرة على أن تنهض مهما طال ليل الحروب.

إغلاق